الهروب من العربية! (الجزء الأول)

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

إنه لمن العجب العجاب، أن يمتلك إنسان ثروة هائلة، ثم يختار أن يتخلى عن سيارته الفارهة، ويشتري سيارة مهترئة مستعملة، تتعطل به كل شهر مرات ومرات، فوق جسر مرة، في شارع بعيد عن المنزل مرة، وسط بركة ماء مرة، تضيّع عليه وقته، وتبدد طاقته إذ يدفعها وهي ثقيلة، ولا تعينه على تقدم، وتظهره في مظهر البائس المعدم، ولو كان هذا الإنسان عاقلًا، لعاد لسيارته الفخمة، التي لا مثيل لها، والتي تحفظه في كل موضع، وتبلغ به مبتغاه بدقة متناهية، وتمنحه المظهر البراق الأنيق الجميل.

ويختار العربي أن يَهرب من العربية، تلك اللغة التي هي أقدم عمرًا، وهي اللغة الخالدة الوحيدة؛ إذ هي لغة الجنة، وهي معجزة الله الباقية في الأرض متمثلة في القرآن الكريم، ولو لم تكن للغتنا العربية هذي المزايا القدسية، لبقيت لغة رفيعة المستوى، عالية القدر، وأداة لا مثيل لها من أدوات المنطق الإنساني، فهي اللغة التي لا حصر لكلماتها، ففي معجم لسان العرب ثمانون ألف مادة، واللغة العربية تتميز بفن الاشتقاق، فمن “كَتَبَ” تتدفق كلمات كثيرة مثل: كِتاب وكَاتِب كُتّاب ومَكتبة ومكتب واستكتب والكِتْبة وكَتَّبَ والاكتتاب، ومعجم لسان العرب هو المعجم الأشمل في العربية، ألفه ابن منظور في القرن السابع الهجري، وهو يقول في مقدمته و كأنه يتحدث عن أهل اليوم:

فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالِمَ بغوامضها يعلم ما توافق فيه النيةُ اللسانَ، ويخالف فيه اللسانُ النيةَ ، وذلك لِما رأيتُه قد غلب، في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودًا. وتنافس الناسُ في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُهُ بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه منه يسخرون”

 

ومن مزايا لغتنا الفريدة والعظيمة أنها لغة موسيقية بطبعها، ولذلك يصفها الأستاذ العقاد باللغة الشاعرة إذ يقول:

 

لا نعني باللغة الشاعرة ما يوصف أحيانًا باللغة الشعرية، كذلك لا نريد أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، إنما نريد باللغة الشاعرة أنها لغة بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية، فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه ولو لم يكن من كلام الشعراء”

 

ويصفها الأستاذ كذلك بأنها لغة المجاز فيقول:10259830_1413933802204228_2252183955147864414_n

 

“اللغة العربية لغة المجاز، ولا تسمى بلغة المجاز لكثرة التعبيرات المجازية فيها، لأن هذه التعبيرات قد تكثر في لغات عديدة من لغات الحضارة، وإتما
تسمى اللغة العربية بلغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى حدود المعاني المجردة، فيستمع العربي إلى التشبيه، فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل إلى المقصود من معناه، فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة”

 

وإننا لنقف عاجزين أمام المجاز المبدع في قول الشاعر الكفيف بشار بن برد:

 

ماءُ الصَبابَةِ نارُ الشَوقِ تَحدِرُهُ *** فَهَل سَمِعتُم بِماءٍ فاضَ مِن نارِ؟

كَأَنَّ إِبريقَنا وَالقَطرُ في فَمِــــهِ *** طَيرٌ تَناوَلَ ياقوتاً بِمِنقـــــــــارِ

 

وإن زادت ثروتنا من الكلمات زادت قدرتنا على التعبير، فاللغة العربية دقيقة الألفاظ وإن ترادفت الكلمات في المعنى العام، وذلك واضح في كتاب فقه اللغة للثعالبي، فمثلًا الشجاع إذا كان به عبوس الشجاعة والغضب فهو “باسل”، وإذا كان يُبطِل الأشدَّاء والدماء، فلا يُدْرَك عنده ثأر، فهو “بطل”.

 

وأيضًا على سبيل المثال، الحزن لا يُستطاع إمضاؤه فهو“الكمد”، و“الأسى” حزن على الشيء يفوت، و“الأسف” حزن مع غضب، و “الوجوم” حزن يُسكت صاحبه.

فلغتنا حقًّا جميلة، وعالية المقام، بما لها من مزايا لم تكن لغيرها، ولأنها لغة قدسية، لغة القرآن، ولغة النبيّ العدنان، ولغة أهل الجنان، إن اعتززنا بها، ورفعنا قدرها، ولم ننفر منها، ارتفع قدرنا، ونهضت أمتنا، وفي ذلك يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم على لسان اللغة تعاتبنا:

 

أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً *** وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ 

أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّنـــاً *** فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ

 

ولطالما هاجم الاحتلال اللغة العربية، وكانت من أهدافه الرئيسة محاربة اللغة والقضاء عليها، لأن اللغة هي الهُوية، ومصدر الفخر والقوة، وكلماتها الرنانة تلهب نفوس الثائرين والمجاهدين، وإن أبياتًا من الشعر سهام خالدة نارية في نحور الغاصبين، والكل حتى اليوم يحفظ كلمات الشاعر التونسي الشاب أبو القاسم الشابي:

 

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ *** فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ 

ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلــــــــي *** ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِــرْ

 

إن تحدث عربيّ بالعربية في حياته اليومية ضحك الناس، وصار الطفل العربي يتعلم أول ما يتعلم لغات الأعاجم، ويسأله أبواه عن أسماء الأشياء فيجيب بالإنجليزية أو بالفرنسية، فيفخران به ويثني عليهما الأصدقاء والأقارب، يهربون من العربية الهروبَ من مرض، ويتخلون عن الثروة اللغوية، ويبيعون بثمن بخس الجواهر الخالدة، ويتفاصحون بلغات حديثة العمر، فقيرة الكلمات والمعاني، أوليس هذا عجبًا؟!

 

يقول قائل على الرغم من هذه المزايا فالعربية ليست لغة العلم، وليست لغة العصر، ولا بد للعلم أن يأتي أولًا، ويقول آخر العلم يبني قواعد المجد والنهضة، وليس الأدب يفعل، أما هذا فنتحدث بإذن الله عنه في أجزاء قادمة، وللحديث بقية.

 

يدونها : عاصم السيد

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

About The Author

Comments

Leave A Comment

 

أثقل من رضوى | رضوى عاشور

 

كيف نشرت أم كلثوم العربية؟

 

وَيَشْكو القَلْب | حسين ضاحي

 

المُطَوَّلة العُمَريَّة| حافظ إبراهيم

وغابت الذكريات في صحن فول!

000اعتدت وقد كانت معي سيارتي “البولونيز عزيزة”، أن أتجه صباح كل جمعة من مسكني في الجيزة بجانب محطة مترو جامعة القاهرة، إلى مدينة نصر حيث مطعم “عم بشندي” أمام دار... اقرأ المزيد ...

 

المدونة