جهاز هدم الإنسان

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

“ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها”

مصطفى لطفي المنفلوطي

هكذا قال مصطفى لطفي المنفلوطي، الأديب الصعيدي الذي أدرك معنى الحرية، ولكن هل من قارئ اليوم لكلماته؟ بكثير من الأسى والحزن أقول بأنك إذا نزلت شوارع مصر وسألت عن المنفلوطي فلن تجد كثيرين يعرفون الرجل، وإذا عرفوه فلن يعرفوا عنه قدر ما يعرفون عن مطربٍ شاب، أو ممثلة مخضرمة، فقد حكمت  جناية المستبد بأن يكون لهم المجد لا للمنفلوطي وأمثاله، تلك الجناية استشرت في المجتمع، وأصابت الغالب الأعظم من أفراده على مدار سنين طوال، تعددت مسارح الجناية الكبرى وتنوعت، منها المدارس والجامعات، منها المسارح، منها المقاهي، ومنها البيوت، أما سلاح الجريمة، فكان جهاز هدم الإنسان.

لكل عملة وجهان، والسلاح في يد الحق جهاد ونصر ونفع، وفي يد الباطل جريمة وهزيمة وضر، إنه الإعلام يا سادة مقروءًا ومسموعًا ومرئيًّا، سماه أهل الإنجليزية Media  واختار العرب أن يسموه الإعلام، الاسم الدال على غرضه ودوره، الإعلام، اسم دقيق المعنى، ويأتي من الفعل “أَعْلَمَ” بحثت عنه في معجم لسان العرب فوجدت: “وعَلَّمه العِلْم وأَعْلَمه إياه فتعلَّمه”، فهل الإعلام اليوم اسم على مسمّى؟ لا والله بل هو على النقيض التام.

إنما اسم “الإعلام” يُطلق زورًا وبهتانًا على ما يطالعنا اليوم عبر صفحات الجرائد وسمّاعات المذاييع  وشاشات التلفزيونات، إنما الحق أن يُطلق عليه “التجهيل والتضليل”، ونحن في عصر كثُر مجرموه الذين يرتكبون جناية إفساد الوجدان بلا حساب وبلا عقاب، وندر من فهموا حقًّا مفهوم “الإعلام”، بل قُصفت أقلامهم، وقُطِّعت أوراقهم، وخُنقت أصواتهم، وكُبّلوا تكبيلًا، فلماذا استفحال جناية إفساد الوجدان؟ ولماذا صار الإعلام تجهيلًا وتضليلًا؟

 

 

إن هناك أسبابًا عدة، أولها سياسي، فالمستبِدُّ يهدف إلى إفساد الوجدان، ليضمن لاستبداده الخلود، فيعمد أول ما يعمد إلى تحويل جهاز الإعلام إلى جهاز هدم الإنسان، فالإنسان ذو العلم إنسان حي حر، لا يقبل الطغيان، ولا يرضى بالضّيْم، وهو الخطر الأشد على كل مستبد

الْعِلْمُ فِيـهِ حَيَـاةٌ للقُلُـوبِ كَمَا *** تَحْيَا البِلادُ إِذَا مَـا مَسَّهَا الْمَطَـرُ

والْعِلْمُ يَجْلو العَمى عن قَلْبِ صاحِبِه *** كما يَجْلو سَوادَ الظُّلْمةِ القَمَرُ

ومن قول الشاعر نفسّر كلام المنفلوطي الذي اعتبر إفساد الوجدان جناية أكْبر من سلبِ الحريّة.

 

وثاني الأسباب ماليٌّ، فقد تحوّل الإعلام إلى تجارة رائجة، هدفها الأول والأخير جنيُ الأموال، بأي وسيلة، وعبر أي طريق شريف أو غير شريف، فالمال قوة وكثرة، يقول الشاعر الحكيم:

رأيتُ النَّاس قد مالوا *** إلى من عنده مالُ

ومن لا عنده مالُ *** فعنه الناس قد مالوا

رأيتُ النَّاس قد ذهبوا *** إلى من عنده ذهبُ

ومن لا عنده ذهبُ *** فعنه الناس قد ذهبوا

رأيت الناس مُنفَضَّة *** إلى من عنده فِضّة

ومن لا عنده فضَّة *** فعنه الناس مُنفَضَّة

أحال أصحاب المال الإعلام تجارة، ونزعوا عن الأعمال الأخلاق، واعتنقوا مذهب “الغاية تبرر الوسيلة”، فلم يردّهم إلى المكارم وازع، وقد عرفوا ما يشتهيه الناس، وقد قال الله تعالى خالق الإنسان والأعلم به:

“زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب” {آل عمران:14}

وصار الإعلام محل بيع الشهوات التي يُقبل عليها الإنسان بطبعه، وكلما زاد الجمهور ضلالًا وجهلًا، زاد صانعوا الإعلام ثروةً وجاهًا، وألبس الإعلام رداء المجد والتبجيل لمن لا يستحق، وصار الرأي في الدين والسياسة والاقتصاد والعلوم والفنون وكل شيء يُسأل عنه الممثلون والممثلات والراقصات ولاعبو الكرة، وأصبحت ساحات “الإعلام” ميدانًا لتزيين ما خالف الأخلاق.

 

ثالث الأسباب تحالف شيطاني بين المستبد السياسي، وبائع الشهوات عبر الإعلام، وقد وجدوا إفساد الوجدان رغبةً مشتركةً لهم، وإن اختلفت أهدافهم، فالمستبد كما قلنا يبغي هدم الإنسان، وكل خوفه أن يرى إنسانًا حرًّا أحياه العلم، وبائع الشهوات هدفه أن يجني الأموال، ويُستِّف الأوراق النقدية ورقة فوق ورقة، ويكنز الماس والذهب والفضة. وهذا التحالف الأسود أدخل بيوتنا عبر قنوات الإعلام علمًا بلا أخلاق، يصفه شاعر النيل حافظ إبراهيم إذ يقول:

شاعر النيل حافظ إبراهيم

فَالناسُ هَذا حَظُّهُ مالٌ وَذا *** عِلمٌ وَذاكَ مَكارِمُ الأَخلاقِ
وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِرهُ مُحَصَّناً *** بِالعِلمِ كانَ نِهايَةَ الإِملاقِ
وَالعِلمُ إِن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ *** تُعليهِ كانَ مَطِيَّةَ الإِخفاقِ
لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ *** ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ
كَم عالِمٍ مَدَّ العُلومَ حَبائِلاً *** لِوَقيعَةٍ وَقَطيعَةٍ وَفِراقِ
وَفَقيهِ قَومٍ ظَلَّ يَرصُدُ فِقهَهُ *** لِمَكيدَةٍ أَو مُستَحَلِّ طَلاقِ
يَمشي وَقَد نُصِبَت عَلَيهِ عِمامَةٌ *** كَالبُرجِ لَكِن فَوقَ تَلِّ نِفاقِ
يَدعونَهُ عِندَ الشِقاقِ وَما دَرَوا *** أَنَّ الَّذي يَدعونَ خِدنُ شِقاقِ
وَطَبيبِ قَومٍ قَد أَحَلَّ لِطِبِّهِ *** ما لا تُحِلُّ شَريعَةُ الخَلّاقِ
قَتَلَ الأَجِنَّةَ في البُطونِ وَتارَةً *** جَمَعَ الدَوانِقَ مِن دَمٍ مُهراقِ
أَغلى وَأَثمَنُ مِن تَجارِبِ عِلمِهِ *** يَومَ الفَخارِ تَجارِبُ الحَلّاقِ
وَمُهَندِسٍ لِلنيلِ باتَ بِكَفِّهِ *** مِفتاحُ رِزقِ العامِلِ المِطراقِ
تَندى وَتَيبَسُ لِلخَلائِقِ كَفُّهُ *** بِالماءِ طَوعَ الأَصفَرِ البَرّاقِ
لا شَيءَ يَلوي مِن هَواهُ فَحَدُّهُ *** في السَلبِ حَدُّ الخائِنِ السَرّاقِ
وَأَديبِ قَومٍ تَستَحِقُّ يَمينُهُ *** قَطعَ الأَنامِلِ أَو لَظى الإِحراقِ
يَلهو وَيَلعَبُ بِالعُقولِ بَيانُهُ *** فَكَأَنَّهُ في السِحرِ رُقيَةُ راقي
في كَفِّهِ قَلَمٌ يَمُجُّ لُعابُهُ *** سُمّاً وَيَنفِثُهُ عَلى الأَوراقِ
يَرِدُ الحَقائِقَ وَهيَ بيضٌ نُصَّعٌ *** قُدسِيَّةٌ عُلوِيَّةُ الإِشراقِ
فَيَرُدُّها سوداً عَلى جَنَباتِها *** مِن ظُلمَةَ التَمويهِ أَلفُ نِطاقِ
عَرِيَت عَنِ الحَقِّ المُطَهَّرِ نَفسُهُ *** فَحَياتُهُ ثِقلٌ عَلى الأَعناقِ
لَو كانَ ذا خُلُقٍ لَأَسعَدَ قَومَهُ *** بِبَيانِهِ وَيَراعِهِ السَبّاقِ
مَن لي بِتَربِيَةِ النِساءِ فَإِنَّها *** في الشَرقِ عِلَّةُ ذَلِكَ الإِخفاقِ
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها *** أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ


إذاعُرف السبب بطُل العجب، لا تعجب إذن إذا سمعت عبر الإعلام بالشيخ ميزو وإسلام البحيري ولا من شاكلهما يهاجم القرآن والسنة، ولا تُصدم إن كان رائد السينما هو السبكي، ولا تندهش إذ تُستفى الراقصة في السياسة، ولا تُذهل إذا شُتم عالم، وقُمع صحفي صادق، وأُبيح الدم، لأن للإعلام اليوم هدفين وحيدين، هدم الإنسان، وجمع المال.

لكن بضدها تتميز الأشياء، وإن ساد يومًا ظلام، فلا بد من نور فجر يجلوه، وإنما هذا حديث مقال آخر.

 

بقلم عاصم السيد

1979491_10152471592868170_7370283566872750670_n

 

 

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

About The Author

 

أثقل من رضوى | رضوى عاشور

 

كيف نشرت أم كلثوم العربية؟

 

وَيَشْكو القَلْب | حسين ضاحي

 

المُطَوَّلة العُمَريَّة| حافظ إبراهيم

وغابت الذكريات في صحن فول!

000اعتدت وقد كانت معي سيارتي “البولونيز عزيزة”، أن أتجه صباح كل جمعة من مسكني في الجيزة بجانب محطة مترو جامعة القاهرة، إلى مدينة نصر حيث مطعم “عم بشندي” أمام دار... اقرأ المزيد ...

 

المدونة