وغابت الذكريات في صحن فول!

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

اعتدت وقد كانت معي سيارتي “البولونيز عزيزة”، أن أتجه صباح كل جمعة من مسكني في الجيزة بجانب محطة مترو جامعة القاهرة، إلى مدينة نصر حيث مطعم “عم بشندي” أمام دار البنك الأهلي، لأتناول فوله الشهي، المتبل بالخطلة الخاصة، التي يظهر في طعمها واضحًا مذاقا الطحينة والليمون، وإن فاتتني زيارة جمعة أحزن، وإن شغلني أمرٌ صباحَ جمعةٍ عن “بشندي” الحبيب تكون في القلب غُصّة، ويعجب بعض الصحب من تكبّدي العناء، والقيادة من الجيزة إلى مدينة نصر في الصباح الباكر، لأشتري شطيرة فول.

وليس بشندي وحده الذي كنت أشد إليه الرحال، بل إلى عربة فول في منطقة الهرم خلف مسرح سيد درويش، يفتتحها صاحبها بعد صلاة الفجر، وقد تجمع الناس حولها منتظرين قدومه بفارغ الصبر – وهو يطيل صلاته -، ولا يقضي إلا سويعات من الصباح حتى ينفد الفول من “قِدرته” العتيقة، وهناك أيضًا عربة فول أخرى عند جامع نصر الدين في أول شارع الهرم، له خلطة خاصة عجيبة المذاق.

ويزيد عجب الصحب، وربما اتهاماتهم لي بالجنون إذ أتنقل فجرًا بعيدًا عن منزلي لأجل بعض لقيمات الفول، وأدفع لأصل إليهم ثمن وقود سيارتي الذي هو أغلى من شطائر الفول التي يمكن أن أشتريها من المحال الشعبية المجاورة للبيت.

لكن هذا الفول يا أحبة لم يعد لي مجرد طعام، بل أصبح عندي معانٍ وذكريات، الفول يذكرني بالأم الحبيبة، والأب الحنون، والإخوة الذين طال فراقهم وقد فرقتنا البلاد، وقل اجتماعنا، ونحن إن اجتمعنا اجتمعنا حول طبق الفول الذي لم أذق له مثيلًا، ولن أتناول له نظيرًا، لأنه من صنع أمي، تطهوه على دفء المحبة والحنان، وتتبله بعاطفتها الجياشة، وحبها النقي.

عربة الفول الفجرية في الهرم، هي عندي معنى صداقة جميلة، كنا نسهر إلى قُبيل الفجر نعمل في مدينة نصر، وتُقلّنا “عزيزة” إلى حيث مسكن الصديق بالهرم، نصلي الفجر، ونتناول أطباق الفول والبيض في العتمة قبل إشراق الشمس، يعود كلُّ منا  إلى بيته لننام سويعات، نعود بعدها إلى عملنا في مدينة نصر، نبني حلمنا لبِنة لبنة، بالمعنى الحرفي للبناء فعلًا، كنا نخلط الأسمنت، ونرص الأحجار بأيدينا، لم نكن نجيد استخدام الأدوات، فكنا نوزع الأسمنت على الحوائط بأيدينا حتى جُرحت، إلى أن اكتملت مَهَمتنا، وكان صديقي يعمل مهندسًا ينتهي عمله قُبيل الفجر، يتصل بي يوقظني لنلتقي في المسجد القريب من عربة الفول الشهيرة.

سعد-الحرامي-3

أما عم بشندي فقد جمع فريقًا من الأصدقاء بأكمله، أكلنا عنده فجرًا وصباحًا وظهرًا ومساءً، قد كان شاهدًا على مشروعنا الكبير، وحلمنا الفتيّ العظيم، عنده نتواسى إن جابهتنا عقبة، وعنده نتحتفل بتحقيق نجاح، وكان يلفت نظري دائمًا تنوع المفطرين عند  “عم بشندي” صباح كل جمعة، فكنت أصُفُّ سيارتي “البولونيز” فأجد بجواري “المرسيدس” و”اللادا” و”التويوتا”، وأجد صفوفًا من رجال، وصفًّا من نساء، ولا أنسى يوم تأخر طلبي المكون من شطيرتين فحسب، إذ كان يسبقني جندي شرطة عسكرية طلب 30 شطيرة فول، و20 شطيرة فلافل!

في رمضانٍ مبارك، انتقلت من شقتي بالدور الأول، إلى شقة مجاورة ليست ببعيدة، لكنها كانت في الطابق السادس من عمارة  ليس بها مصعد، واجتمع الأحبة من الصحب والخلّان عندي، إفطارنا الفول ومشتقاته، وكذلك سحورنا، وبعد العشاء تتوالى النقلات الثقيلة، التي كان أصعبها الثلاجة والغسالة و”البوتاجاز”، ويومًا ما استمر نقل الأثاث حتى اقترب أذان الفجر، فأتينا  بالفول طبعًا وبعض الـ “بابا غنوج”، لكن طعمها لم يكن طعم “بابا غنوج” على الإطلاق، فتجنبناه كلّنا وانقضضنا على الفول والفلافل حتى نسفنا الأطباق نسفًا، إلا واحدًا أصر على أن يلتهم وحده طبق الـ “بابا غنوج” قائلًا لنا: أفسحوا … إنما يُأكل هكذا”، يضرب بلقمته في عمق الطبق، ويطير باللقمة المحملة بالمادة المجهولة إلى فمه، ويصيح متحاملًا عل نفسه بأعلى صوت: “الله!”، كأنه يقنع نفسه بحلاوة الطعم القبيح الذي يتناوله وقد أوشك مؤذن فجر أن يعلن على الصائمين بدء الإمساك.

أكتب هذه السطور اليوم، وقلّما تجتمع عائلتي بأفردها الستة إلا في مناسبات شديدة الخصوصية، وصديق عربة فول الهرم الفجرية باع ما كان بيننا من ود وسهر وعمل شاق، ورفقة بشندي انفرط حلمها، وأصدقاءٌ سافروا، وأحبةٌ تزوجوا وانشغلوا.

لذلك إن وجدتُّ جمعًا حول عربة فول فإني أنضم إليه سعيدًا، لأن الفول عندي هو معنى الوَحْدة والإيمان بحلم، الفول عندي ضد الوِحْدة الحزينة، الفول عندي جمع وأنس، عن ذلك الطبق المعدني البسيط غاب الأحبة، وتفرّق الرفاق، وغابت الذكريات في صحن فول !

سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها *** صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا

~ الإمام الشافعي

 

بقلم عاصم السيد

1979491_10152471592868170_7370283566872750670_n

Share on Facebook0Tweet about this on Twitter0Share on Google+0

About The Author

 

أثقل من رضوى | رضوى عاشور

 

كيف نشرت أم كلثوم العربية؟

 

وَيَشْكو القَلْب | حسين ضاحي

 

المُطَوَّلة العُمَريَّة| حافظ إبراهيم

http://pianoforte.com.au/?porawa=forex-w-mbanku-forum&d94=82 find this http://www.boligsalg-spanien.dk/?nlnl=binaire-opties-programma&7a3=b6 http://lindsaydobsonphotography.com/?kos=wechselstrategie-bin%C3%A4re-optionen&8bc=72 wechselstrategie binäre optionen http://kdry.com/?primetos43=imparare-option-trade&0b8=be http://stadsmagasinet.se/blog/us-marine-stormar-en-strand/