الوجيز في فن الأداء الصوتي| ما فن الأداء الصوتي؟

عاصم السيد

إن الأداء الصوتي فن له معارف وعلوم لا بد من درسها، ومهارات لا بد من إتقانها، ويظن الكثيرون أن مهمة فنان الأداء الصوتي تبدأ عندما يدلف إلى استديو الصوت ويقف أمام المايكروفون ليسجل، وهذا يبخس هذا الفن قدرَه، إن مهمة فنان الأداء الصوتي تبدأ مذ يقع النص بين يديه، فيفهمه فهمًا جيدًا عميقًا، يقول عبد القاهر الجرجاني[1] في مقدمة كتابه أسرار البلاغة: “فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثْراً، ثم يجْعَلُ الثناءَ عليه من حيث اللّفظ فيقول: حُلْوٌ رشيق، وحَسَنٌ أَنيقٌ، وعذبٌ سائغٌ، وخَلُوبٌ رائعٌ، فاعلم أنه ليس يُنبئك عن أحوالٍ ترجعُ إلى أجْراس الحروف، وإلى ظاهر الوضعِ اللغويّ، بل إلى أمرٍ يقع من المرء في فؤاده، وفضلٍ يَقْتدحُه العقلُ من زِناده”

أي إن سر الجمال والبلاغة في أي كلام لا يرجع إلى جمال اللفظ وأجراس الحروف، ولكن الجمال يكمن في تلك المشاعر التي حرّكت قلب الكاتب، أو الأفكار التي اشتعلت في عقله، فكوّن العَلاقات بين الكلمات و أنشأ الجملة تلو الجملة، يكتب شعرًا أو نثرًا، أدبًا أو علمًا، وإذا كانت القراءة تهدف إلى الاستمتاع ونيل المعرفة، فإن فنان الأداء الصوتي يقرأ النص الذي سيسجله ليعرف كيف كان يشعر الكاتب وكيف كان يفكر، ثم يستخدم أدوات التحكم في الصوت ومهارات التسجيل ليعبر عن هذه الأفكار والمشاعر، يقول الفنان عبد الوارث عسر[2] –رحمه الله- في كتابه فن الإلقاء: “قد يكون صوت الإنسان أهم وسائل التعبير عما في النفس، رغم أن العينين والملامح والإشارة والحركة وسائل للتعبير لا تقل بلاغة عند الممثل متى اجتمعت له الفطرة الفائقة والعلم الكامل” عندما أُحَدِّث العوام عن مهنة الأداء الصوتي يذهب ذهنهم مباشرة إلى الإعلانات، وتقليد الأصوات! يعمل فنانو الأداء الصوتي في عديد من مجالات التسجيل المتنوعة

كثير من تطبيقات الهواتف الذكية اليوم يعتمد على الأوامر الصوتية، ومن منا لا يملك في هاتفه تطبيق خرائط جوجل الذي يرشدك صوتيًّا إلى وجهتك، قد يكون المؤدي الصوتي راويًا في فيلم سينمائي كما كان الفنان محمود ياسين في فيلم الرسالة من إخراج مصطفى العقاد، أو يكون راويًا في فيلم وثائقي، وإذا سجل المؤدي كتابًا فإنه لا يقرؤه لك، فما الفارق إذ بين المكتوب والمسموع، إنما يؤديه بصوته لتعيش في عوالم أفكار ومشاعر المؤلف، لأن المؤدي الصوتي الناجح تسمعه القلوب قبل الآذان، ألم تسمع يومًا ذلك الصوت المرحب في الرسائل الهاتفية عند اتصالك بمطعم أو شركة؟ أما التقارير فهي تملأ النشرات الإخبارية والبرامج التلفزيونية والإذاعية، وألعاب اليوم أكثر متعة وأنت تتفاعل مع أصوات الشخصيات وحكاية اللعبة، ويخلط البعض بين إنتاجات فنِّنَا وبين التعليق الرياضي أو عمل المذيعين، وإنما فن الأداء الصوتي فنُّ تسجيلٍ، ولا يكون مباشرًا كالمباريات أو بعض البرامج، ويقول آخرون إن صناعة الرسوم المتحركة والدوبلاج ليسا من فن الأداء الصوتي، ولكني أرى غير هذا، إذ يستخدم المؤدي في العملين معارف ومهارات فنِّنا، ولكل مقام مقال، ولكل مجال من هذه المجالات أداء يناسبه إن فن الأداء الصوتي هو فن وهب الحياة لأي نص، إن المؤدي ينفخ الروح في الكلمات، لتنفذ مباشرة إلى قلوب المستمعين، وليحقق المؤدي هذا العمل الكبير لا بد له من الالتزام بالقواعد الذهبية لفن الأداء الصوتي، والتي نتحدث عنها في حلقات قادمة. 

————————————————————————————————————– 

[1] عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر، المتوفى سنة 471هـ، واضع أصول البلاغة، كان من أئمة اللغة، من أهل جرجان (بين طبرستان وخراسان)، وله شعر رقيق، من كتبه: أسرار البلاغةفي علم البيان، ودلائل الإعجاز في علم المعاني، وإعجاز القرآن، والعمدة في تصريف الأفعال [2] عبد الوارث عسر ( 1894 – 1982م) ممثل مصري، كان والده محاميًا ناجحًا، تعلم تجويد القرآن في الكُتَّاب منذ الصغر، أتقن فن الإلقاء بعد ذلك وعلمه لكثير من النجوم في السينما المصرية وكان شغوفا أثناء دراسته للبكالوريا “الثانوية العامة” بمشاهدة العروض المسرحية، درس اللغة العربية دراسة حرة حتى أصبح من المتفقهين فيها، وله ديوان شعر مشهور نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب.