ما المبتدأ في قول ربِّنا جلَّ وتقدَّس: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ} [فصلت: ٣٩]؟
في هذا المقال نبيِّن لكم خطوات التحليل النحوي للجملة العربية، ونعرض لنمط من أنماط الجملة الاسمية في القرآن الكريم
النحو علم الجملة
الحمد لله الذي اصطفى لساننا العربيَّ على سائر الألسنة، والصلاة والسلام على خير من نطق به قاطبة، أما بعد:
فاعلم أنَّ النحو علم الجملة، لا يدرس الكلمات منفردة، وإنما يبحث العلاقات التي تنشأ بين الكلمات في الجملة، فلكل مبتدإ خبر، ولكل فعل فاعل، ولكل نعت منعوت، ولكل حال صاحب، ولكل شرط جزاء، وهلمَّ جرًّا.
خطوات التحليل النحوي
والتحليل النحوي للجملة يقوم على أسس وخطوات عقليَّة منظمة مرتبة:
أولها: أن تتعرف كلماتِ الجملةِ وأنواعَها، وقبل أن نتطرق إلى الآية موضوع حلقتنا، تأملْ معي آيةً سابقة لها جاءت على نفس النسق والتركيب، قال ربنا جل وعلا: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ} [فصلت: 37]، فأول التحليل النحوي أن تعرف الكلمات وأنواعَها.
حروف المعاني
فالواو كلمة نوعها حرفٌ، والمقصود بالحرف هنا نوع الكلمة، وأنت تعلم أن الكلمة العربية ثلاثة أنواع: اسم وفعل وحرف، فالحرف الذي هو نوع من أنواع الكلمة ينتمي إلى حروف المعاني، الذي قد يكون أحاديًّا مثل الواو، أو ثنائيًّا مثل (مِنْ)، أو ثلاثيًّا مثل (نَعَمْ) أو رباعيًّا مثل (لعلَّ) أو خماسيًّا مثل (لكنَّ)، ففرِّق بين حروف المعاني، وحروف المباني التي هي حروف الهجاء التي نبني بها الكلماتِ أسماءً وأفعالًا وحروفَ معانٍ.
كلمات الآية وأنواعها
إذن في قوله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ}، الواو حرف استئنافٍ، و{مِنۡ} كلمةٌ نوعها حرف جرٍّ، و{ءَايَٰتِهِ} كلمتان (آيات) وهي اسم، وهاء الغيبة اسم، فإذا سألتَ: أليست هاء الغيبة ضميرًا؟ قلتُ: بلى، والضمائر كلها أسماء، فإذا سألتَ: لماذا الضميرُ اسمٌ؟ قلت على ذلك دلائل، منها أنَّ الاسم وحدَه هو الذي يُجرُّ، فالفعل لا يُجرُّ، وكذلك الحرف لا يُجرُّ، وإذا نظرت إلى الهاء في قوله تعالى: {ءَايَٰتِهِ} وجدتها مضافًا إليه، فهي ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر؛ ومعنى ذلك أنَّك إذا وضعتَ محلَّ الهاء اسمًا ظاهرًا معربًا لكان مضافًا إليه مجرورًا، ألا ترى أنَّ الهاء تعود على لفظ الجلالة؟ تقول: ومن آياتِ اللهِ، فلفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
لِنَعُدْ إلى الآية: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ}، {ٱلَّيۡلُ} اسمٌ، كل واو يعدها حرف عطف، والكلمات {ٱلنَّهَارُ} {ٱلشَّمۡسُ} {ٱلۡقَمَرُ} كلُّها أسماءُ
الإعراب فرع المعنى
فإذا عرفت كلمات الجملة وأنواعَها، فافهم معنى الكلام، فأنت تعلم أنَّ قاعدةَ النحو الأساسةَ قولُ علمائنا الكرام: الإعراب فرعُ المعنى، وقد شرحناه في مرئية سابقة.
ومعنى الآية: الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ مِن الدلائل على وجود الله وقدرته وحكمته.
ثم سَلْ نفسَك: ما نوعُ الجملة؟ أسمية هي أم فعلية؟ أحسنت: هي جملة اسمية، ألا ترى أنَّها خالية من الأفعال؟ ثم سَلْ: أعادية هي أم منسوخة؟ تجدها عارية من النواسخ نحو (كان) وأخواتها أو (إنَّ) وأخواتها، فهي جملة اسميَّة عاديَّةٌ ركناها الأساسانِ المبتدأُ والخبر.
فإذا أردت أن تحدِّدَ المبتدأ، فسَلْ: ما المتحدَّثُ عنه؟ وتجيب من الآية: الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ.
فالليل هو المبتدأ؛ لأنَّ المبتدأ لا يكون إلّا اسمًا، وما جاء بعده معطوف عليه، والمعطوف على المبتدإ مبتدأٌ في المعنى، وعلامة الرفع الضمة على آخر قوله تعالى: {ٱلَّيۡلُ} دليل يهدينا إلى كونها مبتدأً مؤخَّرًا، فالأصل في المبتدأ أن يقعَ أولَ الكلام، ولكنَّ لغتنا الثريَّة السريَّة تسمح بالتقديم والتأخير، يُعينها على ذلك مزيَّةُ الإعراب، وكذلك فإنَّ المبتدأَ لا يكون إلّا اسمًا، وأنت ترى الجملة قد بدأت بجارٍّ ومجرور، ومحالٌ أن يكون شبه الجملة مبتدأً.
وبعد أنْ وجدتَ المبتدأ، سلْ: ما شأنُه؟ وما خبرُه؟ فالمبتدأ متحدَّثٌ عنه، لنحكَم عليه حكمًا ونخبر عنه خبرًا، فإذا سألتَ الآية الكريمةَ ما خبرُ {ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ}؟، فلعلك تجيب {مِنۡ ءَايَٰتِهِ} وتسارع تقول إنَّ شبه الجملة خبرٌ مقدَّم في محل رفعٍ، فأقول لك أحسنت، ولكن تمهَّل، واعلم أنَّ جمهور النحاةِ يرَوْن أنَّ شبه الجملة لا يكون خبرًا، فإذا قلت: هكذا درسنا في مدارسنا، قلتُ: هو رأيٌ قُصد به التجوُّز والتيسير، ولكنَّ الأصحَّ أنَّ شبه الجملة متعلِّقٌ بالخبر المحذوفِ، والخبر يُحذفُ إذا دلَّ على كونٍ عامٍّ، أي على معنى: موجود أو كائن أو مستقر، فالمعنى: الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ كائنةٌ مِن آياتِ الله، واعلم أنَّما ذكرنا المحذوف هنا إيضاحًا وبيانًا، ولكنه مستقرٌّ في ذهن العربيِّ مفهومٌ دون أن يُذكر، فإذا سألتَ: ولم رفض جمهور النحاة أن يجعلوا شبه الجملة خبرًا؟ أجبتُ: قد بيّنا ذلك بإيجاز في مرئية عن الجملة الاسمية من سلسلة النحو الوجيز، يمكنك مشاهدتها هنا.
إعراب الآية {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ}
إذن تعرب قول الله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ}
الواو: حرف استئنافٍ مبنيٌّ على الفتح، لا محلَّ له من الإعراب، وكل الحروف مبنية لا محلَّ لها من الإعراب، فهي لا تقع في أيِّ محلٍّ من محلات الإعراب، الرفعِ والنصب والجرِّ والجزمِ.
مِنْ: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
آيتِه: (آياتِ) اسم مجرور بـ(مِنْ) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهاء الغيبة مضاف إليه، ضمير متصل مبنيٌّ على الكسر في محل جرٍّ. وشبه الجملة من الجار والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ، خبرٍ مقدَّم، أو قل: متعلِّق بخبر مقدَّم محذوف.
الليل: مبتدأٌ مؤخَّرٌ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
والنهارُ: الواو حرف عطف مبنيٌّ على الفتح لا محلَّ له من الإعراب، والنهارُ: اسم معطوف مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وكذلك تعربُ بقية الأسماء المعطوفة.
تطبيق عمليٌّ لخطوات الحليل النحوي
أما زِلْتَ تذكر سؤالنا في أول الحلقة؟ كان السؤال: ما المبتدأ في قول ربِّنا جلَّ وتقدَّس: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ} [فصلت: ٣٩]
فلنطبِّقْ معًا أسس التحليل النحوي كما فعلنا في الإعراب السابق:
أولًا: تعرَّفِ الكلماتِ وأنواعَها: الواو حرف عطف، و{مِنۡ} حرفُ جرٍّ، و{ءَايَٰتِهِ} كلمتان (آيات) اسم، وهاء الغيبة اسم، و{أَنَّكَ} كلمتان (أنَّ) حرف ناسخ، وكاف الخطاب اسمٌ، و{تَرَى} فعلٌ مضارع مستترٌ فيه فاعله وجوبًا، الذي تقديره (أنت)، فإذا سألت: متى يستتر الضمير وجوبًا؟ قلت: راجع إعرابنا قول الله تعالى: {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، و{ٱلۡأَرۡضَ} اسمٌ، و{خَٰشِعَةٗ} اسمٌ.
ثانيًا: افهم معنى الآية، وهي أخت الآية التي أعربناها آنفًا، تعطف على الآياتِ الفلكيَّةِ الأربع الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته دليلًا آخرَ أرضيًّا هو رؤيتُك الأرض خاشعةً، «وَالخُشوعُ التَّذَلُّلُ وَالتَّصاغُرُ، وَاسْتُعِيرَ هذَا اللَّفْظُ لِحالِ الْأَرْضِ حالَ خُلُوِّها عَنِ المَطَرِ وَالنَّبَاتِ، {فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ} [فصلت: 39] أَيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، وَرَبَتْ: انْتَفَخَتْ؛ لِأَنَّ النَّبْتَ إِذَا قَرُبَ أَنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَانْتَفَخَتْ، ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ» [مفاتيح الغيب ٢٧/ ٥٦٧]
إذن المعنى: ورؤيتكَ الأرضَ خاشعةً مِن الدلائل على وجود الله وقدرته وحكمته.
المبتدأ مصدر مؤوَّل من (أنَّ) واسمها وخبرها
ثم سَلْ نفسَك: ما نوعُ الجملة؟ أسمية هي أم فعلية؟ أحسنت: هي جملة اسمية، ثم سَلْ: أعادية هي أم منسوخة؟ فهي جملة اسميَّة عاديَّةٌ ركناها الأساسانِ المبتدأُ والخبر. فإذا سألت: ماذا عن (أنَّ) أليست حرفًا ناسخًا؟ قلت: بلى، لكن اعلم أنَّ (أنَّ) مفتوحة الهمزة تُؤوَّل مع اسمها وخبرها بمصدر، أي إنَّ (أنَّ) مفتوحةَ الهمزة مع اسمها وخبرها تَؤول وترجع إلى كلمة واحدة هي مصدر؛ اسم يدلُّ على الحدث. وراجع مرئياتنا القصيرة عن (إنَّ) وأخواتها في سلسلة النحو الوجيز.
إذا قلتَ: يسرُّني أنَّك ناجحٌ، فأين فاعلُ الفعلِ: يسرُّ؟ ما الشيءُ الذي يسرُّ؟ نجاحُك، ولكن أين كلمة نجاحُك في الجملة؟ إنَّها المصدر المؤوَّل المنسبك من (أنَّ) مفتوحة الهمزة واسمِها كافِ الخطاب، وخبرها (ناجح).
إذا أردت أن تحدِّدَ المبتدأ في قوله ربّنا جل وتقدَّس: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ} فسَلْ: ما المتحدَّثُ عنه؟ رؤيتُكَ الأرضَ خاشعةً، فالرؤيةُ هي المبتدأ، لكنَّ المبتدأ قد يكون صريحًا مثل كلمة {ٱلَّيۡلُ} في الآية التي أعربناها أولًا، وقد يكون المبتدأ مؤوَّلًا بالصريح كما هي الحال هنا، فالرؤيةُ مصدرٌ مؤوَّل منسبك مِن (أنَّ) مفتوحةِ الهمزة واسمِها وخبرها، إذن تقول في الإعراب:
الواو: حرف عطف مبنيٌّ على الفتح، لا محلَّ له من الإعراب.
مِنْ: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
آيتِه: (آياتِ) اسم مجرور بـ(مِنْ) وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهاء الغيبة مضاف إليه، ضمير متصل مبنيٌّ على الكسر في محل جرٍّ. وشبه الجملة من الجار والمجرور متعلِّق بخبر مقدَّم محذوف.
أنَّك: أنَّ حرف ناسخ مبنيٌّ على الفتح لا محلَّ له من الإعراب، والكاف اسم (أنَّ)، ضمير متصل مبنيٌّ على الفتح في محلِّ نصبٍ
ترى: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمَّة المقدَّرة؛ منع من ظهورها التعذُّر، أي استحالة نطق الضمة على الألف آخر (ترى)، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنتَ، والجملة الفعليَّة من الفعل والفاعل خبر(أنَّ) في محلِّ رفعٍ.
والمصدر المؤوَّل من (أنَّ) واسمها وخبرها أو قل: والمصدر المؤول من (أنَّ) ومعمولَيْها، أو قل: والمصدر المؤوَّل من (أنَّ) وما في حيِّزها مبتدأٌ مؤخَّر في محلِّ رفعٍ
الأرضَ: مفعول به منصوب وعلامة نبه الفتحة الظاهرة.
خاشعةً: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة
تدريب نحويٌّ
ما أمتعَ النحو وأيسرَه! وما أعونَه
على فهم معاني القرآن!
والآنَ وقد صرتَ خبيرًا، اكتب لنا في
التعليقات إعراب قول ربنا عزَّ وجلَّ: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ
مُبَشِّرَٰتٖ} [الروم: ٤٦]
