صفات الحروف: القلقلة، الصفير، التكرير

صفات الجمالِ والوضوحِ (القلقلة، الصفير، التكرير)

مقدِّمة

الحمد لله الرَّحمن، علَّم القرآن، خلق الإنسان، عَلَّمه البيان، وجعل اللسانَ يترجم ما يختلج في الجَنان، والصلاة والسلام على سيِّد وَلَد عدنان، آتاه الله جوامعَ الكَلِم، فكان أفصحَ مَنْ نطق بِلسان اللسان، أما بعد:

فقد طُفنا في مقالاتنا السابقة حول “جهاز النطق”، وعرفنا الفرق بين “الصوامت والصوائت”، ولعلك أدركتَ أنَّ ضبط “المَخْرج” وحدَه لا يكفي لسلامة النطق، فكم ناطقٍ يُصيب المخرجَ ويُخطئ الصِّفةَ، فيخرج الصوتُ مشوَّهًا، أو ينقلبُ إلى صوتٍ آخر، فيفسد المعنى، ويقبح الأداء!

ألا ترى أنَّك قد تسمع مَن يقول: (مَزْجِد) بالزاي بدلًا مِن (مَسْجِد) بالسين؟ أو يقول: (بَصِيط) بالصاد بدلًا من (بَسِيط) بالسين؟ إنَّ المخرج في (السين والزاي) و(السين والصاد) واحد، فما الذي غيَّر الصوت؟ إنها “الصفة”.

وفي هذه المقالة الثالثة من سلسلة “هندسة الصوت العربي”، نقفُ مع صفاتٍ مُمَيَّزة، لا أضداد لها، هي بمثابة “التَّوابل” التي إن ضُبطت مقاديرُها استقام طعمُ الكلام في أفواه الناطقين وآذان المستمعين.

فإذا سألتَ: وما هذه الصفات؟ وكيف نؤدّيها دون تكلُّفٍ أو مبالغة؟ قلتُ: دونك البيانَ في السطور الآتية.

أولًا: القلقلة.. اضطرابُ الصوتِ ليَصفُوَ

هي الحروف المجموعة في العبارة (قُطْبُ جَد)، ولعلك لاحظت أنها كلها من الأصوات الشديدة المجهورة التي مع نطقها إغلاق لمخرج الحرف، «وسُمِّيَت هذه الأصوات بأصوات القلقلة لأنه تَجِبُ قَلْقَلَتُها، أيْ تحريكُها تحريكًا خفيفًا –أو بِصُوَيْتٍ كما عبَّرَ ابنُ جنّي- إذا جاءت ساكنة»[1]، وقال عنها سيبويه: «واعلمْ أنَّ مِن الحروف حروفًا مُشْرَبة[2] ضُغِطَتْ مِنْ مواضعها، فإذا وقفْتَ خرجَ معها مِن الفَمِ صُوَيْتٌ، ونبا اللِّسان عن موضعه، وهي حروف القلقلة… وذلك القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء، والدليل على ذلك أنك تقول: “الحذق” فلا تستطيع أنْ تقف إلا مع الصُّوَيْتِ، لشدَّةِ ضغط الحرف»[3]، فسيبويهِ يقول لك إنَّه لا بدَّ عند الوقف على القاف في “حذق” لا بدَّ من أن يتبع نطق القاف صوت صغير خفيف يُيَسِّرها على لسان الناطق، ويُبيِّنها في أذن السامع.

لماذا نُقلقل الحروف؟ (السرُّ الفيزيائيُّ)

إذا أردت نطقَ كلمة مثل (الاجْتماعي) وجدت صعوبة في نطق الجيم الساكنة والمحافظة على صفاتها وإغلاق مجرى الهواء إغلاقًا كُلِّيًّا، وقد سمعت الكثيرين ينطقون الجيم مصحوبة بنفس وصوت ممتد؛ ذلك أنهم لا يغلقون مجرى الهواء إغلاقًا كلِّيًا بل يُضيِّقونه، فتخرج كأنما يخالطها شيء من الشين التي تخرج أيضًا من حيث تخرج الجيم من منطقة وسط اللسان، ولذلك فإن العرب تُقَلْقِلُ هذه الأحرف الخمسة عند سكونها، فتنطقها بتحريكها تحريكًا خفيفًا يُبَيِّنُ الحرف؛ «لأنَّكَ لا تستطيعُ الوقوفَ عليها إلا بِصُوَيْتٍ، وذلك لشدة ‌الحفز والضغط»[4].

تحذير هام: القلقلةُ صُويْتٌ وليست حركة!

إنكَ إذا وقفت على كلمة (أَحَد) من دون قلقلة الدال لن يَتَبيَّنَ السامعُ صوتَها، ، فلا بدَّ من هذه الحركة المركزيَّة التي يكون وضع اللسان فيها محايدًا، فلا هي كسرة ولا ضمة ولا فتحة، فأنت تُقْلِقُ الحرفَ عن موضعه ولا تُقْلق الجيران! فلا تبالغْ حتى تَميلَ القَلْقَلَةُ إلى إحدى الحركاتِ، وتذكَّرْ على الدوام أنَّ القلقلة صُويْتٌ لم يبلغ مبلغَ الحركة، ولا تَصِحُّ المبالغة فيه.

ثانيًا: الصفير.. موسيقى السين والصاد والزاي

نسمع من المُصلّي صلاةً سريَّةً صوت صفيرٍ كثيرًا ما يتكرر إنْ كان التالي مجيدًا التلاوةَ والنطقَ، وإنَّما مردُّ صوت الصفير هذا إلى ثلاثة أصوات هي السين والصاد والزاي، وهذا الصفير المصاحب لهذه الأصوات ينتج «عن قوة الاحتكاك الناتجة عن التضييق الكبير لمجرى الهواء في أثناء نطقها بالقياس إلى غيرها، وعند نطق الأصوات الصَّفيريَّة يتقلَّص اللسان بحيثُ ينتفخ على الجوانب، مما ينتج عنه ملامسة أطراف اللسان لحوافِّ الأسنان مشكِّلةً أُخدودًا ضيِّقًا فقط على طول خط وسط اللسان لحصر الهواء أو توجيهه، وعندما يُجبر الهواء على التَّحرُّرِ من هذا الأُخدود بحدَّة ضدَّ اللِّثَةِ والأسنان، يعطي أزيزًا مسموعًا، هو ما اصطُلِحَ على تسميتِه بالصفير»[5].

بين (مَسْجِد) و(مَزْجِد).. كيف يحدث الخطأ؟

وأصوات الصفير الثلاثة أصوات لِثَوِيَّة خالصة، فالمخرج واحد والاختلاف في الصفات، السين والصاد كلاهما مهموس، والزاي مجهور، فإنْ منعتَ حركة الوتريْن عند نطق الزاي صارت سينًا، وذلا قد تسمع من بعض المتحدِّثين صوت الزاي في (مسْجِد)، فيقول (مَزْجِد)، ذلك أنَّ السين المهموسة وقعت بين مجهورَيْن فوقع في الغلط عند سرعة الأداء، ولا شكَّ أنَّ المؤدِّيَ ينبغي له التمرُّن المستمر فيعطي كلَّ حرفٍ حقَّه، والأمر لا يتجاوز الفصحى إلى العامية، فقد سمعتُ مؤدِّية تنطق كلمة (مَخْبوز) مِرارًا وتَكرارًا في إعلان تجارِيٍّ بالعامِّيَّة المِصْرِيَّة (مَخْبوس)؛ ذلك أنَّها لم تحرِّكِ الوتَرَيْن عند نطق الزاي.

بين (بَسيط) و(بَصيط).. احذر التفخيم!

وكذلك فإنَّ السين والزاي كلاهما مرقَّق، بينما الصاد مفخَّم، ما أكثر أن ينطق المؤدّي كلمة (بسيط) بالصاد المفخمة فيقول (بصيط)! والتخلُّص من هذا الغلط بالتدريب يكون بسماع الحصري -مثلًا- من القراء المتقنين يتلو قولَه تعالى: ﵟوَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ‌وَلَا ‌تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚﵞ [الإسراء: 29-30]، فتردِّد وراءَه، فأعطِ كلَّ حرفٍ حقَّهُ ومُستحقَّه نطقًا، تأمنِ اللَّبس، وتتجنَّبِ الغلط.

ثالثًا: التكرير.. صفةٌ تُعرَفُ لتُجتَنَب!

التكرير صفة مميزة لحرف الراء، وهو «ارتعاد طرف اللسان بالراء»[6]، ويحصل ذلك بأنَّ طرف اللسان يطرق اللثة طرقًا ليِّنًا يسيرًا مرتَيْنِ أو ثلاثًا[7]، بيد أن المبالغة في التكرير غلط، فعند قولنا مثلًا (مرْكَب)، ينبغي أن ننطق راءً واحدة ونُخفيَ تكريرها، وإذا بالغ الناطق في التكرير سمعنا راءات كثيرة! حتّى قيلَ: «فهذه الصفة يجب أن تُعْرَفَ لِتُجْتَنَبَ لا لِيُؤتَى بها»[8]

والأَلْثَغُ الذي لا يُحْسِنُ التكلَّم بالراء، وفي العباب الزاخر «‌الألْثَغُ: الذي لا يُتِمُّ رَفْعَ لِسانِهِ في الكلام وفيه ثقل»[9]، فعندما لا يصطدم طرف اللسان بسقف الحنك حيث مخرج الراء يخرج صوت عائم ما هو بِرَاءٍ، وربما هو أقربُ إلى الغين أو الياء.

خاتمة

هذا غيضٌ من فيضِ جماليّاتِ نظام لغتنا الصوتيِّ، وتلك القواعدُ هي المعيارُ الذي يُقاسُ عليه صفاءُ اللسان، بَيْدَ أنَّ معرفةَ القاعدةِ نظريًّا لا تَعصِمُ اللسانَ مِن الزللِ عمليًّا، وكثيرًا ما تَجري على ألسنةِ المُعاصرينَ -إعلاميّين ومُتحدِّثينَ- هناتٌ صوتيَّةٌ تُخِلُّ بالمبنى وتُفسِدُ المعنى، فإذا سألتَ: ما أشهرُ هذه الأغلاطِ الصوتيَّةِ التي شاعتْ وذاعتْ؟ وكيف السبيلُ لتقويمِها؟ قُلتُ: هذا ما نُرجِئُ الحديثَ عنه لمقالنا القادمِ من سلسلة “هندسة الصوت العربي”؛ لنضعَ أيديَنا على مَواطنِ الداءِ ونصفَ الدواءَ، فترقَّبوه.. ودُمتم مبدعين فصحاء.

[1] د. كمال بشر – علم الأصوات 378 

[2] يقصد (مجهورة)

[3] الكتاب لسيبويه 4/ 174

[4] ابن جني – سر صناعة الإعراب 1/ 77

[5] د. غانم الحمد – المدخل إلى علم الأصوات العربية 123 (نقلًا عن “محاضرات في اللسانيات” – د. فوزي حسن الشايب)

[6] السابق 128 (نقلًا عن “الرعاية لتجويد القراءة”108  – مكي بن أبي طالب القيسي)

[7] السابق، الصفحة نفسها (نقلًا عن “الأصوات اللغوية” 67 – إبراهيم أنيس)

[8] السابق 129 (نقلًا عن “نهاية القول المفيد” 57 – محمد مكي نصر)

[9] العباب الزاخر 1/ 357 (بترقيم المكتبة الشاملة آليًّا)

فكرتين عن“صفات الجمالِ والوضوحِ (القلقلة، الصفير، التكرير)”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0