يتقدَّم إلي طالب من طلّاب الدراسات العليا في دار العلوم -الكليةَ التي تُدرِّس علوم العربية وآدابَها وفنونَها في جامعة القاهرة- أو يكونُ خريجَ قسم اللغة العربية في كلية من كليات التربية أو الآداب، يبغي أنْ يراجع قواعد العربية نحوًا وصرفًا، فأجلس معه جلسة تحديد مستوى، أقيس إتقانَه المهاراتِ اللُّغويَّةَ الأربع، ثم أسأله عما درسَه من كتب النحو حديثِها وقديمِها، فيفاجئني بأنَّه درس كُتَب أستاذِه الجامعيِّ ولا شيءَ معها، وتلك الكتب الجامعية في غالب الأمر ليست كتبًا مؤلَّفةً تأليفًا علميًّا متينًا، وإنما هي كتب تعليمية، ومحاضراتٌ مجمَّعةٌ يُعدِّها الأستاذ لطلابه، وإذا فصَّلَ الأستاذ يومًا شرحَ مسألة نحويَّة، وأسهبَ ذاكرًا آراء النحاة فيها، وبيَّنَ ما وراءَها مِن أسرار وعِلَل، تسابقت أيادي الطلاب ترتفع لتسأله، وقد يسعَد الأستاذ بحماس طُلّابِه لحظةً حتى يصدمه سؤالهم: “أهذا الموضوع داخلٌ في الامتحان”؟
هكذا يتخرج الطالب في الكليات المتخصصة في الدراسات اللغوية، لا يعرف مِن كتب النحو كتابًا علميًّا حديثًا ولا قديمًا، يتخرَّج من دون أن تحاوِرَ عقلَه عبارةُ سيبويه، أو تدهشَه عبقريَّة ابن جني، أو تلامِسَ قلبه كلمةُ السُّيوطِيُّ، رحمهم الله جميعًا، بل إنَّه لم يتصفَّح يومًا النحو الوافي، أو معانيَ النحو، أو النحو المصفّى.
أينَ اختفَتْ مَكْتَبَةُ الطّالِب؟
حكى لي أبي -حفظه الله- أنَّه في أثناء مقابلته المعلِّمين المتقدمين للالتحاق بالمدرسة التي كان يعمل بها موجِّهًا ومدرِّبًا، يسألهم عن المراجع التي يعودون إليها إذا جابههم مشكلٌ نحويٌّ، فيُفاجأ بصفحة بيضاء خاليةٍ من اسم مرجع قديم أو حديث، فماذا درستَ أيها الخريج في كليِّتك المتخصصة في تدريس علوم العربيَّة؟ درستُ كتاب أستاذي وحدَه.
ومن المؤلم أنَّ الأستاذ قد يشير في هوامش كتابه التعليمي إلى مصادر ومراجع استقى منها ما يقدِّمه لطلابه، فلا يستفز ذلك طالبًا لأن يعود إلى المصدر، وقد تجد كتاب طالبٍ مليئًا بخطوط الشطب لصفحات كاملةٍ من الكتاب، فإذا سألته عنها، قال إنَّ الأستاذ أخبرنا أنَّها للاطلاع وليست ضمن المنهج الذي سنُمتحنُ فيه!
جِيلُ الرُّوّادِ وأساتذةُ العَرَبِيَّة
ومما حكاه لي أبي -حفظه الله- حوارٌ دار بينه وبين أستاذ جليل من أساتذة العربية هو الدكتور محمد الحناش -رحمه الله-، ليصلا إلى أنَّ درجة الدكتوراة اليوم، تُعادل شهادة البكالوريوس التي حصلا عليها في السبعينيات. ولا عجبَ في ذلك، فإنَّ حكايات أبي عن أساتذته في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، ترسُم صورةً لذلك الأستاذ الجامعي الذي لا يكل ولا يملَّ، ويقضي حياتَه مُكبًّا على العلم وأسراره، باحثًا ليلَ نهار، مِن ذلك أنَّ الدكتور زغلول سلّام -رحمه الله- رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية، كان مكتبه مكتبةً عامرةً، وأنَّه كان يسهر في الكلية إلى المساء في صحبة الكتب، كأنه قلّما يعود إلى منزله، ويقول أبي إنه رأى زوج الدكتور يومًا تُحْضِرُ الغداءَ إلى مكتبه في الكليَّة!
رِسالةُ الأُستاذِ الجَامِعِيِّ الحَقيقيَّة
وسمعتُ شيخي الدكتور محمد أبو موسى -حفظه الله- شارحَ كتابَي عبد القاهر الجرجاني رحمه الله، نمشي حوله في الطريق مِن حيث صلَّينا الظهرَ في الجامع الأزهر الشريف، إلى الرواق العباسي حيث يُلقي درسَه الحافل بالعلم، سمعتُه يقول لأستاذٍ في الأزهر هو مِن طلابه إنَّ واجب الأستاذ الجامعي الحقيقي هو البحث العلمي، وليس عمله محصورًا في شرح المحاضرات للطلاب، بل إنَّه إنِ اكتفى بذلك فقد يأثم! فراتبه ليس لقاء شرح المحاضرات! وإنَّ الحصول على الدكتوراة ليس نهايةَ المشوار العلمي، بل هو بدايته، إذ إنَّ الباحث في إعداده رسائل الأبحاث العلمية كان له مشرفون يُرشدونه، أمّا بعد الدكتوراة، فقد وضعوه على أول الطريق، وآن له أن ينطلق في آفاق البحث العلمي وحدَه، ويحكي كذلك عن أستاذه الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد -رحمه الله- أنه ما زاره في مكتبه إلّا وقد وجدَ بين يديه كتابًا.
أَدَبُ الخِلافِ وصِناعَةُ العُقولِ الفَذَّة
فإذا كان الأستاذ من هذا الطِّراز فإنَّه يُخرِّجُ علماءَ كرام، ويصنعُ عقولًا فذَّة، تُحسن التفكير، وتحيا متدبِّرَة، تُنتج العلمَ الذي ينفع الأمَّة، ويدافع عنها، ولا يستنسخ الأستاذ نُسخًا عنه، فإنَّنا نرى تلميذ العالم قد يخالف أستاذه خلافًا علميًّا، ينمُّ عن أنَّ الأستاذ ربّى طالبه على إعمال العقل، والطالب في خلافه يلزم أدب العالم، كم مسألةٍ في الدرِّ المصون يُخالف فيها السمينُ الحلبيُّ أستاذَه أبا حيّان، بيد أنَّه على الدوام يذكر رأي أستاذه قائلًا: (قال الشيخ)، وهذا إمام النحاة سيبويه رحمه الله احتفى بأساتذته في كتابه الخالد، يروي آراءَهم وينْسِب إليهم في إخلاصٍ أقوالَهم، وعلى رأسهم الخليل الفراهيدي رحمه الله، الذي روى عنه في الكتاب أكثر من خمسِ مئةِ مرَّة، فإذا أراد أن يذكرَ رأيًا مخالفًا بعد ذكره قولَ أستاذه الخليل لم يذكر اسمَه إلى جانب اسمِ أستاذِه إجلالًا وأدبًا، «قال أبو جعفر: وسمعتُ أبا إسحاق يقول: إذا قال سيبويه بعد قول الخليل: «وقال غيرُه» فإِنَّما يعنى نَفْسَه؛ لأنَّه أجلَّ الخليلَ عنْ أنْ يَذْكُرَ نفسَه معه» [الكتاب لسيبويه ١/ ٧].
ولن تعجبَ إذا عرفتَ أنَّ لسيبويه التلميذِ في قلب الخليل الأستاذِ منزلة ليست لغيره؛ «قال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ. قال أبو عمرو المخزومي -وكان كثير المجالسة للخليل-: ما سمعت الخليل يقولها إلا لسيبويه» [طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ٦٧]
غايتُنا في "عَنادِل"
إنَّ من أهداف عنادل التي نحرص عليها في مرئيّاتنا، أن يسمع متابعنا كلام هؤلاء العلماء الكرام، أن يتذوَّق عبقريَّتهم وإبداعَ قلوبهم، أن يمسَّ علمَهَم وأدَبَهم، أن يتعرَّف إخلاصَهم وبذلَهم، وأنْ يُجالِس عقولَهم النيِّرة التي أنشأت العلمَ إنشاءً واستخرجته من مكامنه انتزاعًا، كيف لا؟ وعبارة سيبويه لا يقع في الوهم أن يُؤتى بمثلها، وهذه شهادة واضع علم البلاغة الشيخِ عبدِ القاهر الجرجاني رحمه الله، يقول معقِّبًا على تعريف سيبويهِ الفعلَ في أول كتابِه: «لا نعلم أحدًا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبًا منه، ولا يقع في الوهم أيضًا أنَّ ذلك يُستطاع» [دلائل الإعجاز – تحقيق: محمود شاكر ١/ ٦٠٥].
فاللهمَّ إنّا نسألك إيمانًا دائمًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا وجسدًا على البلاء صابرًا، اللهم إنّا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يُستجاب لها. والله تعالى من وراء القصد، هو حسبنا ونعم الوكيل.
