مقدِّمة
أتساءَلْتَ يومًا لِمَ سُمِّيت ليلةُ القدر بليلةِ القدر؟ إنَّ لغتنا الشريفة، وعاء الوحي الخاتم، تحمل في طيّاتِها مفاتيح الفهم وجلاء المعنى. وفي هذه الجذوة اللغويَّة الرمضانية، نبحر معًا في رحاب مادة (قَدَرَ) في لسان العرب، ونستنطق وجوه الإعجاز البياني في سورة القدر؛ لنكشف عن أسرارٍ تنير العقول، وتُدفئ القلوب بمحبة كتاب الله.
مادَّة (قدر): أصلها ودلالتها في لسان العرب
ورد ذكر ليلة القدر في القرآن الكريم في سورة سُمِّيت باسمها، فما القدر؟ جاء في مقاييس اللغة «(قَدَرَ) الْقَافُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ الشَّيْءِ وَكُنْهِهِ وَنِهَايَتِهِ. فَالْقَدْرُ: مَبْلَغُ كُلِّ شَيْءٍ. يُقَالُ: قَدْرُهُ كَذَا، أَيْ مَبْلَغُهُ»[1]
وقال الراغب الأصفهاني: «فَتَقْدِيرُ الله الأشياء على وجهين: أحدهما: بإعطاء القدرة.
والثاني: بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة… وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: 1]، إلى آخرها. أي: ليلة قيَّضها لأمور مخصوصة»[2]
وفي عمدة الحفاظ «وليلة القدر لأنَّ الأمور تُقَدَّر فيها وتُقضى، فَيَسعد فلان ويشقى فلان ويُحرم فلان»[3]
وأورد د. محمد حسن جبل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر: 1] «لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره في الموت والرزق والأجل وغيرها إلى سَنَة»[4]
وفي تاج العروس: «والقَدْرُ: الشَّرَف، والعَظَمةُ، والتَّزِيينُ، وتَحْسِينُ الصُّورَة»[5]
والقدر عند الفيروزآبادي في بصائره «بمعنى الشرف والعظمة: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر} ، وقيل معناه: ليلة قَيَّضَها لأُمور مخصوصة»[6]
وقد ذهب صاحب المعجم الاشتقاقي المؤصل إلى أن المعنى المحوري لمادة (قدر) «ضَبْطُ الشيء القابل للتسيب أو الانبساط وحَكْمه وامتساكه على وضع أو كمٍّ أو مسافة معينة فلا يتسيب ولا يسترسل»[7] فإذا سألت: وما علاقة هذا المعنى المحوري بمعنى الشرف والعظمة؟ أجابكَ قائلًا: «أمّا تفسيرها بالشرف والعظمة فقد يتأتى من لازم إمساك الشيء في الحوزة لا يسترسل متسيّبا، فيلزم ذلك الامتلاء به والعظم، أو على حذف مضاف أي القدر العظيم»[8]
لطائف بيانية من مطلع سورة القدر
قال ربنا عزَّ وجلَّ في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: 1-5]
يقول صاحب البصائر: «معظم مقصود السورة: بيان شرف ليلة القدر فى نصِّ القرآن، ونزول الملائكة المقرّبين من عند الرحمن، واتصال سلامهم طوَال اللَّيل على أَهل الإِيمان، فى قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾»[9]
وأشار صاحب التحرير والتنوير إلى افتتاح السورة «بِحَرْفِ (إِنَّ) وَبِالْإِخْبَارِ عَنْهَا بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ طُرُقِ التَّأْكِيدِ وَالتَّقَوِّي»[10]
واستعمل ربُّنا ضمير العظمة “نا” في {إنّا} وأسند إليه الإنزال في {أنزلنا} تعظيمًا للقرآن وتشريفًا له، فإذا سألت وأين ذِكْرُ القرآن في الآية الأولى من السورة؟ قلتُ: عُبِّر عنه بهاء الغيبة في قوله تعالى: {أَنْزَلْناهُ} ولم يُذْكر صريحًا وفي هذا «إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ إِقْبَالِهِمْ عَلَيْهِ فَكَوْنُ الضَّمِيرِ دُونَ سَبْقِ مَعَادٍ إِيمَاءٌ إِلَى شُهْرَتِهِ بَيْنَهُمْ»[11]، ويرى الفخر الرازي أنَّ تَرْكَ التصريح بالذكر «يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْقُرْآنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَسْنَدَ إِنْزَالَهُ إِلَيْهِ وَجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَاءَ بِضَمِيرِهِ دُونَ اسْمِهِ الظَّاهِرِ شَهَادَةً لَهُ بِالنَّبَاهَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ التَّصْرِيحِ… وَالثَّالِثُ: تَعْظِيمُ الْوَقْتِ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ»[12]
وأشار صاحب التحرير والتنوير كذلك إلى حسن موقع سورة القدر عَقِبَ سورة العلق «كَأَنَّهُ إِيماءٌ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَنْزَلْناهُ يَعُودُ إِلَى الْقُرْآنِ الَّذِي ابْتُدِئَ نُزُولُهُ بِسُورَةِ الْعَلَقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي أُنْزِلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهُوَ الْآيَاتُ الْخَمْسُ مِنْ سُورَةِ الْعَلَقِ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ يُسَمَّى قُرْآنًا»[13]
وقد فرَّق الراغب الأصفهاني بين الإنزال والتنزيل، فهو يرى أنَّ «النُّزُولُ في الأصل هو انحِطَاطٌ من عُلْوّ… والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُهُ مفرَّقًا، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ»[14]
«{إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] وإنّما خُصَّ لفظُ الإنزالِ دُونَ التَّنزيلِ، لما رُوِيَ: (أنّ القرآن نَزَلَ دفعةً واحدةً إلى سماءِ الدُّنيا، ثمّ نَزَلَ نَجْمًا فَنَجْمًا)»[15]
وفي هذا الإنزال أورد القرطبي: «وقال الشَّعْبِيُّ: الْمَعْنَى إِنَّا ابْتَدَأْنَا إِنْزَالَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ، وَأَمْلَاهُ جِبْرِيلُ عَلَى السَّفَرَةِ «أي الملائكة»، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا نُجُومًا «أي جزءًا جزءًا». وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ»[16]
لماذا سُمِّيت بليلة “القدر”؟ ثلاثة أقوال للعلماء
ويذهب ابن عاشورٍ إلى أن اسم ليلة القدر سمّاها الله به في هذه الآية «وَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَبِذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُهَا بِهَذَا الِاسْمِ تَشْوِيقًا لِمَعْرِفَتِهَا وَلذَلِك عقب بقوله: وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ [الْقَدْرِ: 2]»[17]
وأورد صاحب مفاتيح الغيب ثلاثة أقوال في سبب تسمية ليلة القدر باسمها
- «أَنَّهَا لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ، قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَا يَكُونُ فِي كُلِّ تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ مَطَرٍ وَرِزْقٍ وَإِحْيَاءٍ وَإِمَاتَةٍ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ لَا يَحْدُثُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي الْأَزَلِ، بَلِ الْمُرَادُ إِظْهَارُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَقَادِيرَ لِلْمَلَائِكَةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِأَنْ يَكْتُبَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
- الثَّانِي: نُقِلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْعَظَمَةِ وَالشَّرَفِ مِنْ قَوْلِهِمْ لِفُلَانٍ قَدْرٌ عِنْدَ فُلَانٍ، أَيْ مَنْزِلَةٌ وَشَرَفٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3] ثُمَّ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إِلَى الْفَاعِلِ أَيْ مَنْ أَتَى فِيهَا بِالطَّاعَاتِ صَارَ ذَا قَدْرٍ وَشَرَفٍ وَثَانِيهِمَا: إِلَى الْفِعْلِ أَيِ الطَّاعَاتُ لَهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَدْرٌ زَائِدٌ وَشَرَفٌ زَائِدٌ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا كِتَابٌ ذُو قَدْرٍ، عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ ذِي قَدْرٍ، عَلَى أُمَّةٍ لَهَا قَدْرٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَةَ الْقَدْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِهَذَا السَّبَبِ.
- وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ، أَيِ الضِّيقِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَضِيقُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ»[18]
وهذا القول الثالث الذي أورده الفخر الرازي يعود إلى أن القدر يأتي بمعنى التضييق، كما ورد في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] أي يُضيِّق.
وأورد القرطبي في تفسيره أسبابًا أخرى منها: «وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِيهَا الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. وَقَالَ سَهْلٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا الرَّحْمَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ»[19]
وذهب صاحب التحرير والتنوير إلى القول الثاني مما سبق، فهو يرى أنَّ «الْقَدْر الَّذِي عُرِّفَتِ اللَّيْلَةُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ هُوَ بِمَعْنَى الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]، أَيْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالشَّرَفِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا أَعْطَاهَا مِنَ الْبَرَكَةِ فَتِلْكَ لَيْلَةٌ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا شَرَفًا فَجَعَلَهَا مَظْهَرًا لِمَا سَبَقَ بِهِ عِلْمَهُ فَجَعَلَهَا مَبْدَأَ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْقَدْرِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ»[20]
واعلم أن (أل) التعريف منها ما يفيد استغراق الجنس، كما في قوله تعالى في سورة العصر: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] فالمقصود جنس الإنسان كلِّه، ولذا جاء الاستثناء جمعًا في قوله جلَّ وتقدَّس: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]
فتعريف (القدر) كذلك تعريف جنس، فهذه الليلة المباركة تستغرق أجناس الشرف والرفعة جميعًا، فهي ليلة الشرف كلِّ الشرف، والعَظَمة كلِّ العظمة، التَّزِيين كلِّ التزيين، والنور كلِّ النور.
بلاغة التَّكرار والاستفهام التعظيمي
ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 2]
يقول الفخر الرازي: «يَعْنِي وَلَمْ تَبْلُغْ دِرَايَتُكَ غَايَةَ فَضْلِهَا وَمُنْتَهَى عُلُوِّ قَدْرِهَا»[21] .
ويقول ابنُ عاشور: «تَنْوِيهٌ بِطَرِيقِ الْإِبْهَامِ الْمُرَادِ بِهِ أَنَّ إِدْرَاكَ كُنْهِهَا لَيْسَ بِالسَّهْلِ لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ الْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ. وَكَلِمَةُ (مَا أَدْرَاكَ مَا كَذَا) كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي تَفْخِيمِ الشَّيْءِ وَتَعْظِيمِهِ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يُعَرِّفُكَ مَا هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، أَيْ يَعْسُرُ عَلَى شَيْءٍ أَنْ يُعَرِّفَكَ مِقْدَارَهَا»[22]
ثم جاء البيان القرآني لذلك الاستفهام التعظيميِّ يرسُم لنا فضائل ليلة القدر في آياتٍ ثلاث، أولها قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] وأنت ترى اسم ليلة القدر تكرر في السورة حملت اسمهًا ثلاثًا، ولم يعبر عنها ربنا بالإضمار بعد الذكر الأول، فيُقال: وما أدارك ما هي؟ هي خير من ألف شهر، وإنما هذا دليل على الاهتمام بها وتعظيم قدرها، وفي الجامع لأحكام القرآن: «وَفَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ»[23]
دلالة “ألف شهر” والتنزُّل المبارك للملائكة
ويحسُب الحاسبون ألفَ شهرٍ فيجدونها تساوي ثلاثة وثمانين عامًا وأربعة أشهر، بيدَ أن العربَ تذكر العددَ ولا تقصد حقيقته بل تريد منه التكثير والتضعيف، اسمع لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] أيقول عاقلٌ إنه يُفهم من الآية أن الرسول صلوات الله عليه وسلامه إن استغفر للمنافقين أكثر من سبعين مرة فإن الله يغفر لهم؟ كلا، إنما المعنى مهما يبلغ استغفارك لهم ويتكرر ويكثر فلن يغفر الله لهم؛ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 80].
فقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3] من هذا الباب، يقول القرطبي : «وَقِيلَ: عَنَى بِأَلْفِ شَهْرٍ جَمِيعَ الدَّهْرِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَلْفَ فِي غَايَةِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ»[24]
وإلى هذا المعنى ذهب صاحب التحرير والتنوير: «وَعَدَدُ الْأَلْفِ يَظْهَرُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي وَفْرَةِ التكثير كَقَوْلِه: «وَاحِد كَأَلْفٍ» وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] وَإِنَّمَا جُعِلَ تَمْيِيزُ عَدَدِ الْكَثْرَةِ هُنَا بِالشَّهْرِ لِلرَّعْيِ عَلَى الْفَاصِلَةِ الَّتِي هِيَ بِحَرْفِ الرَّاءِ»[25]
وهذا التكثير والتضعيف ليس تمديد زمانٍ أو وقت «إِنَّمَا هُوَ بِتَضْعِيفِ فَضْلِ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَوَفْرَةِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْبَرَكَةِ لِلْأُمَّةِ فِيهَا»[26]
ثم جاء البيان الثاني في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]
فهذا التزل المبارك تنزل مستمر متكرر عُبر عنه بالفعل المضارع، فهو كما قال ابن عاشور: «مُؤْذِنٌ بِأَنَّ هَذَا التَّنَزُّلَ مُتَكَرِّرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ»[27]
«والرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ، أَيْ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ فِي الْمَلَائِكَةِ. وَمَعْنَى بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أَن هَذَا التنزل كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ أَنْزَلَ لَهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَمَاعَاتٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَفِيهِمْ أَشْرَفُهُمْ وَكَانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيَعُودَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَضْلِ مِثْلَ الَّذِي حَصَلَ فِي مُمَاثَلَتِهَا الْأُولَى لَيْلَةَ نُزُولِهِ بِالْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءٍ»[28]
وقال القرطبي: «قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) أَيْ تَهْبِطُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ، وَمِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَسْكَنُ جِبْرِيلَ عَلَى وَسَطِهَا. فَيَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ النَّاسِ، إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ»[29]
سلامٌ ونور: فضائل الليلة النورانية
ثم يأتي البيان القرآني الثالث في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]
وقد تقدم الخبر (سلام) على المبتدأ الضمير (هي) ليفيد الاختصاص، فما ليلة القدر إلا سلام دائم إلى مطلع الفجر، قال القرطبي: «أَيْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَلَامَةٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا لَا شَرَّ فِيهَا. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أَيْ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُقَدِّرُ اللَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا السَّلَامَةَ، وَفِي سَائِرِ اللَّيَالِي يَقْضِي بِالْبَلَايَا وَالسَّلَامَةِ، وَقِيلَ: أَيْ هِيَ سَلَامٌ، أَيْ ذَاتُ سَلَامَةٍ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْطَانٌ فِي مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ… وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ، مِنْ حِينِ تَغِيبُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، يَمُرُّونَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ. وَقِيلَ: يَعْنِي سَلَامَ الْمَلَائِكَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَلامٌ هِيَ: خَيْرٌ هِيَ»[30]
وأنَّى لنا أن نحصيَ فضائل هذه الليلة النورانية، التي نزل فيها النور الهادي، فالقرآن نورٌ إذ قال تعالى جَدُّه: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، نزل به الروح الأمين في ليلة القدر التي تنزَّل فيها الملائكة، التي هي مخلوقات من نور، على قلب النبي السِّراج المنير الذي قال عنه ربنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [النور: 35]
تحري الليلة المباركة ووقت حدوثها
هذه ليلة القدر، ليلة النور الأنور، فيها نزل النورُ جبريلُ عليه السلام، بالنورِ الهادي القرآن الكريم، على قلب سيِّدِنا النورِ محمد ﷺ؛ لُيخرجَ العالمينَ من الظُّلمات إلى النّور، قال ربُّنا جلَّ وتقدَّس: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1].
ليلةُ القدر هي عيدُ نزول القرآن، فأعظم بها ليلةً، قال رسولنا ﷺ عنها: «مَن يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ.»[31]
وروت أم المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ.»[32]
ووردَ في تعيينها أقوال عِدّة، أصحُّ ما يُعتمد منها ما أورده صاحب التحرير والتنوير: «أَنَّهَا لَيْسَتْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً مُطَّرِدَةً فِي كُلِّ السِّنِينِ بَلْ هِيَ مُتَنَقِّلَةٌ فِي الْأَعْوَامِ، وَأَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ… وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ»[33]
خاتمة
إنَّ ليلةَ القدرِ أنوارٌ وهّاجة مُجتمعةٌ لا تخبو، هي دعوةٌ لترتَقيَ الأرواح، وليلتمس المؤمن الصائم الأنوار مِن مَعينِ القرآنِ العظيم، وهدْي النَّبيِّ الكريم ﷺ، واللهَ نسألُ أن يبلغنا إيّاها صائمين قائمين إيمانًا واحتسابًا، وأن يكتبنا فيها من المقبولين.
[1] مقاييس اللغة 5/ 62
[2] المفردات في غريب القرآن ص658
[3] عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ 3/ 280
[4] المعجم الاشتقاقي المؤصل 4/ 1746
[5] تاج العروس من جواهر القاموس 13/ 380
[6] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 4/ 243
[7] المعجم الاشتقاقي المؤصل 4/ 1745
[8] المعجم الاشتقاقي المؤصل 4/ 1747
[9] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 1/ 531
[10] التحرير والتنوير 30/ 456
[11] التحرير والتنوير 30/ 456
[12] مفاتيح الغيب 32/ 228
[13] التحرير والتنوير 30/ 456-457
[14] المفردات في غريب القرآن ص799
[15] المفردات في غريب القرآن ص800
[16] الجامع لأحكام القرآن 20/ 130
[17] التحرير والتنوير 30/ 457
[18] مفاتيح الغيب 32/ 229
[19] الجامع لأحكام القرآن 20/ 131
[20] التحرير والتنوير 30/ 457
[21] مفاتيح الغيب 32/ 231
[22] التحرير والتنوير 30/ 458
[23] الجامع لأحكام القرآن 20/ 131
[24] الجامع لأحكام القرآن 20/ 131
[25] التحرير والتنوير 30/ 459
[26] التحرير والتنوير 30/ 459
[27] التحرير والتنوير 30/ 461
[28] التحرير والتنوير 30/ 463
[29] الجامع لأحكام القرآن 20/ 133
[30] الجامع لأحكام القرآن 20/ 134
[31] الراوي: أبو هريرة، صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم : 35
[32] الراوي: عائشة أم المؤمنين، صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم : 2017
[33] التحرير والتنوير 30/ 462
