الإمام علي بن حمزة الكسائي مدرسة الكوفة

علي بن حمزة الكسائي: سيرته، مناظراته، وخصائص مدرسة الكوفة النحوية

: “هذا المقال هو النص البحثي للمرئية المنشورة على قناتنا، ويمكنكم مشاهدتها من هنا

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد،

فإن النَّحو العربيّ صرح عملاق، وضع لبنته الأولى أبو الأسود الدّؤلي صاحب نقط الإعراب (المتوفى سنة 69هـ)، ثم أنشأ العلماء من بعد يبحثون ويجمعون ويناظرون ويؤلفون حتى اكتمل الصرح أو كاد في غضون ثلاثة قرون تقريبًا، فعلوا ذلك حرصًا على القرآن الكريم، وصونا للألسنة من اللحن، واعتزازًا باللغة العربية، وتمهيدًا لسبل الفهم للكلام المنطوق والمكتوب.

وأصبحنا نملك كلام العرب مجموعًا في معجماتٍ توضح المستعمل والمهمل، وأصبح لدينا كذلك قوانين هذا الكلام في أسفار كبيرة، لعل أبرزها (الكتاب) لإمام مدرسة البصرة سيبويه (المتوفى سنة 180هـ) الذي أطلق عليه “قرآن النحو”؛ لأنه استطاع أن يجمع قوانين كلام العرب نحوًا وصرفًا وأصواتًا، جمعًا منظمًا واعيًا ومحيطًا!

ولمع أعلام عظام يأتي في مقدمتهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (المتوفى سنة 170هـ) وتلميذه النجيب سيبويه، وتتتابع سلسلة الأعلام الذين أثرَوْا البحث اللغوي في البصرة والكوفة وبغداد وغيرها من عواصم الأمصار في مصر والشام والأندلس.

ومازال هذا الصرح يزداد شموخًا وقوة على مر العصور مفيدًا من طبيعة الزمان والمكان، منفتحًا بعقل وحكمة على الثقافات التي يموج بها العالم من حولنا.  

ومن أعلام العربية العظام علي بن حمزة الكسائي موضوع هذا البحث؛ فقد شدّني إليه أنه واحد من أئمة القراءات السبع المتواترة، وشدّني إليه أيضا حبه العلمَ وسعيه من أجل تحصيله، كما أنه عمل مؤدِّبًا، فهو رجل تربوي، وشدّني إليه كذلك أنه رأس مدرسة الكوفة النحوية وإمامها؛ فأردت أن أتعرف خصائص هذه المدرسة وما أضافته للنحو العربي.

وقد بنيت البحث على مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: يتناول سيرة هذا الإمام ومواطن القدوة فيها

المبحث الثاني: يتناول مناظرات الكسائي وبخاصة مع سيبويه

المبحث الثالث: يتناول مدرسة الكوفة وخصائصها

ثم تأتي الخاتمة حاملة نتائج البحث، والله ولي التوفيق

المبحث الأول: سيرة الإمام الكسائي

نشأته في الكوفة

أنشأ المسلمون الكوفة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم أقيمت بيوت حضارية، واتخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه مقرًا لحكمه، واستقر فيها نفر من الصحابة رضي الله عنهم في مقدمتهم عبد الله بن مسعود، وأخذت الحركة العلمية تدب فيها بقوة، وبخاصة الفقه وقراءة القرآن، فنشأ فيها المذهب الحنفي الذي أعلى من شأن الرأي والقياس والفقه التقديري، ولمع نجم أئمة المذهب أبي حنيفة الإمام الأعظم (المتوفى سنة 150هـ) والصاحبَيْن أبي يوسف (المتوفى سنة 182هـ) ومحمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة 189هـ).

ونشطت فيها حركة القراءة والإقراء فكان منها ثلاثة قراء من السبعة هم: عاصم بن أبي النجود (المتوفى سنة 127هـ) وحمزة بن حبيب الزيات (المتوفى سنة 156ه) وعلي بن حمزة الكسائي (المتوفى سنة 189هـ). 

سبب تسميته بالكسائي

في هذه البيئة نشأ صاحبنا “عَليّ بن حَمْزَة بن عبد الله بن عُثْمَان الإِمَام أَبُو الْحسن الْكسَائي

من ولد بهمن بن فَيْرُوز، مولى بني أَسد” (بغية الوعاة 2/ 162)

ووردت تفسيرات متعددة لتسميته بالكسائي، ولكن التفسير الأقوى – فيما أظن – هو ما رواه هو عن نفسه حين سئل فقال: “لأني أحرمت في كساء” (إنباه الرواة 2/258)

وقد اقتصر السيوطي على هذا السبب، وأعرض عن الأسباب الأخرى بصيغة التمريض، فقال: “وَسُمي الْكسَائي لِأَنَّهُ أحرم فِي كسَاء، وَقيل لغير ذَلِك.” 2/162

اتجه الفتى إلى مجالس القرآن الكريم يحفظ ويقرأ على كبار شيوخ القراءة والإقراء، وفي مقدمتهم أستاذه حمزة بن حبيب الزيات، فقد ختم عليه القرآن أربع مرات، وظلّ يقرأ “زمانًا بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة فأقرأ الناس بها، وقرأ عليه بها خلق كثير ببغداذ وبالرّقة وغيرهما من البلاد وحفظت عنه” (إنباه الرواة  2/256)

التحول: الكسائي طالب علم مجتهد

إذن حقق الكسائي مجدًا في مجال قراءة القرآن، فلماذا توجه إلى دراسة اللغة والنحو؟

ذكر المترجمون له أنه تعلم النحو على كبر، وذلك حين جالس قومًا من الفضلاء من محبي العربية، وكان قد مشى طويلًا حتى أصابه الإعياء، فأحبَّ أن يُعبِّر عن هذه الحال فخانه التعبير، حيث قال: “قد عيّيت، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن! قال: كيف لحنت؟ قالوا له: إن كنت أردت من التعب، فقل: «أَعْيَيْتُ»، وإن كنت تريد من انقطاع الحيلة فقل: «عَيِيتُ» (مخفّفة). فأنت من هذه الكلمة لحنت، ثم قام من فوره ذلك يسأل عمن يعلّم النحو، فأرشدوه إلى معاذ الهراء، فلزمه حتى أنفد ما عنده” (إنباه الرواة 2/257)

والمتأمل في هذا النص يلاحظ أن اللحن- الخطأ في استخدام اللغة – كان يعد عيبًا، ينبغي أن يتخلص منه صاحبه، ويحسن استخدام العربية استخدامًا صحيحًا، وإلا فلا يليق به أن يكون في مجالس أصحاب الفضل والعلم.

ونلاحظ كذلك صفة في الكسائي، ألا وهي حبه العلم، فحين عابوا عليه ما وقع فيه من لحن، طرح سؤال طالب العلم الذي يريد أن يعرف موضع الخلل؛ ليعالجه فسأل مستوضحا “كيف لحنت؟” وقديما قالوا: حُسن السؤال نصف العلم! فلما عرف موضع الخلل، أدرك ما هو العلم الذي يحتاج إليه، ومرة أخرى يسأل عن العالم المبرز في هذا العلم، ونهض بهمة ونشاط من غير أن يضيع وقتًا أو يتراخى، فجلس إلى أستاذه حتى أخذ كل ما لديه من علم النحو، ولم يكتف بذلك وإنما زادت دافعيته، ويمَّم وجهه شطر البصرة حيث الخليل بن أحمد فجلس في حلقته، وأعجب به غاية الإعجاب، وله الحق في ذلك؛ فالخليل صاحب علم غزير، وصاحب عقلية رياضية، وتفكير إبداعي، فسأله: “من أين أخذت علمك هذا؟ فقال: من بوادى الحجاز ونجد وتهامة، فخرج [ورجع] وقد أنفد خمس عشرة قنّينة حبر فى الكتابة عن العرب سوى ما حفظ” (إنباه الرواة 2/258) 

إذن الكسائي طالب علم مجتهد، وهو كذلك يسعى نحو المزيد أو نحو الكمال، فهو يريد أن يكون مثل أستاذه، فيرحل إلى النبع الذي ارتوى منه أستاذه، ولا يرحل هكذا رحيلًا عشوائيًا، وإنما يخطط لما سيفعله، ويجهز الأدوات التي قد يحتاج إليها، فأخذ أوراقه وأحباره؛ ليُدوِّن ما يسمع من أهل هذه البوادي العربية، وقد يكون في عدد الأحبار شيء من المبالغة، ولكنها مبالغة ذات دلالة على حرصه على تقييد العلم، وقد رجع من هذه الرحلة بمحصول موفور من العلم المكتوب والمحفوظ، وعاد ليستكمل مسيرته، ولكنه لم يجد أستاذه الخليل؛ فقد توفاه الله تعالى، وجلس مكانه يونس بن حبيب (المتوفى 182ه)، فأخذ الكسائي يأخذ عن يونس، ولكن شخصيته العلمية قد نمت واستوت؛ فجرت بينهما حوارات ونقاشات، شهد له يونس بعلمه وجدارته بالتدريس، فقد أورد الزبيدي قول محمد بن الحسن السمري: “رأيت الكسائي بالبصرة في مجلس يونس، وهو يناظره مناظرة النظير” (طبقات النحويين واللغويين 127)     

مصادر علمه وشهادة العلماء له

بعد عرض ما سبق من سيرة الكسائي يمكن القول إن مصادر علمه تمثلت فيما يأتي:

  • العلوم المتعلقة بقراءات القرآن الكريم
  • الرحلة إلى البوادي العربية ونقل اللغة من أفواه الفصحاء
  • مجلس الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب في البصرة
  • ومن قبل ذلك أخذه علم النحو عن معاذ الهراء والرؤاسي في الكوفة

ذاعت شهرة الكسائي العلمية والخُلُقية، وأقرّ له أولو العلم بذلك، فقد جاء عند القفطي: “وقال الشافعىّ رضى الله عنه: من أراد أن يتبحّر فى النحو فهو عيال على الكسائىّ.” (إنباه الرواة 2/260)

“قال الفرّاء: قال لي قوم: ما اختلافك إلى الكسائىّ وأنت مثله فى العلم؟ فأعجبتني نفسى فناظرته وزدت؛ فكأني كنت طائرًا أشرب من بحره.” (المصدر السابق 2/264)

قال أبو بكر الأنبارىّ: “اجتمعت للكسائىّ أمور لم تجتمع لغيره؛ فكان واحد الناس في القرآن يكثرون الأخذ عنه؛ حتى لا يضبط الأخذ عليهم. فيجمعهم ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوّله إلى آخره وهم يسمعون؛ حتى كان بعضهم ينقط المصاحف على قراءته، وآخرون يتبعون مقاطعه ومبادئه فيرسمونها فى ألواحهم وكتبهم. وكان من أعلم الناس بالنحو وواحدهم في الغريب” (المصدر السابق والصفحة نفسها)

الكسائي في بلاط بغداد

استاء الخليفة المهدي من مُؤدِّب ولده الرشيد، فأشاروا عليه بالكسائي، فرحل إلى بغداد، وصار مؤدبًا للرشيد ثم لولديْهِ من بعده، وقد أحله الرشيد منزلةً عاليةً احترامًا وإجلالًا لعلمه وخلقه، فقد جاء عند الزبيدي “أن الرشيد تلقاه الكسائي في بعض طريقه، فوقف عليه وسأله عن حاله، فقال الكسائيُّ: لو لم أجْتَنِ من ثمرة الأدب إلا ما وَهَبَ الله لي من وقوف أمير المؤمنين عليَّ لكان كافيًا.” (طبقات النحويين واللغويين 128)    

وقد أورد القفطي قول الكسائي حين كان يصلي بالرشيد: “فغلطت فى آية ما أخطأ فيها صبىّ قط؛ أردت أن أقول: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، فقلت: لعلهم «يرجعين». قال: فوالله ما اجترأ هارون أن يقول لى: أخطأت؛ ولكنه لما سلّمت قال لى: يا كسائي، أىّ لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد يعثر الجواد. فقال: أمّا هذا فنعم!” (إنباه الرواة 2/261-262) 

  ومن عجيب القدر أن توفي الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني في يوم واحد وكانا في الري في معية الرشيد سنة 189ه؛ فحزن الخليفة حزنًا شديدًا وقال كلمات معبرة عن مكانة هذين العَلَمَين: “دفنَّا الفقه واللغة في الري في يوم واحد”  (طبقات النحويين واللغويين 130)

المبحث الثاني: أشهر مناظرات الكسائي

مناظرته مع القاضي أبي يوسف

حفل تراثنا العربي بالكثير من المناظرات بين علمائه في العلوم المختلفة، وبخاصة في علوم الكلام والفقه واللغة، وهذه المناظرات تدل على حيوية الفكر العربي، وسعيه للنمو والتطور، وتُبرز جهود علمائنا المستمر في إنتاج المعرفة، وتُظهر اهتمام الدولة بالعلم والعلماء إذ كانت تجري المناظرات غالبا في مجالس الخلفاء والوزراء.  

وقد كان الكسائي واحدًا من هؤلاء العلماء، فقد خاض مناظرات أحصاها الدكتور رمضان عبد التواب فبلغت اثنتي عشرة مناظرة (ما تلحن فيه العامة 37-39)، جرت مع مجموعة من علماء عصره، منهم الأصمعي والمفضل الضبي وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، وسيبويه، ويونس بن حبيب…

ونقف وقفات متأملة عند مناظرته مع أبي يوسف، ومناظرته مع سيبويه، وهي المناظرة الأشهر.

فقد كان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري هو الرجل الثاني من رجالات المذهب الحنفي، وشغل منصب قاضي القضاة زمن الرشيد، قال عنه الذهبي في صدر ترجمته: “هُوَ الإِمَامُ، المُجْتَهِدُ، العَلَاّمَةُ، المُحَدِّثُ، قَاضِي القُضَاةِ” (سير أعلام النبلاء  8/535)   

 وكان أبو يوسف من العلماء الذين يضمهم مجلس الرشيد، وكان صاحب مكانة عنده، وكان أبو يوسف يقلل من شأن النحو بالقياس إلى العلوم الأخرى، فأراد الكسائي أن يبين له وللحاضرين أهمية النحو، وضرورته في تحليل الكلام وفهمه فهمًا صحيحًا، فطرح سؤالًا على أبي يوسف:

ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق؟ قال: واحدة.

قال: فإن قال لها: أنت طالق أو طالق أو طالق. قال: واحدة.

قال: فإن قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق. قال: واحدة.

قال: فإن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق. قال: واحدة.

قال الكسائى: يا أمير المؤمنين، أخطأ يعقوب فى اثنتين وأصاب فى اثنتين.

أما قوله: طالق طالق طالق، فواحدة؛ لأن الثانيتين تأكيد؛ كما تقول: أنت قائم قائم قائم، وأنت كريم كريم كريم. وأما قوله: أنت طالق أو طالق أو طالق فهذا شكّ، وقعت في الأولى التي تتيقّن. وأما قوله: طالق ثم طالق ثم طالق، فثلاث؛ لأنها نسق، وكذلك طالق وطالق وطالق.” (إنباه الرواة 2/260)

ويبدو – فيما أظن – أن هذه ليست بالمناظرة التي يحتد فيها النقاش، ويكثر فيها الجدل، ويسعى كل متناظر أن يأتي بحجج تدعم وجهة نظره، وتدحض رأي خصمه، وإنما هي أشبه بدرس تعليمي، قصد إليه الكسائي قصدًا وهو الإمام المعلم والمؤدب؛ ليبين أن الفقيه لا يستغني عن النحو؛ لأن النحو يفسر التراكيب، ويعطي لكل تركيب دلالته، فيُعين الفقيه على الفهم السليم؛ ومن ثم يصدر حكما شرعيًا سليمًا.

المسألة الزنبورية: المناظرة الكبرى مع سيبويه

أما مناظرة الكسائي مع سيبويه، فقد لاقت رواجًا كبيرًا، فعرض لها الكثير من كتب التراجم والتاريخ، وكتب الأدب والنحو، وعرفت باسم (المسألة الزنبورية) وكثرت فيها الروايات وتعددت مختلفة أحيانًا ومتفقة أحيانا أخرى، أية ما يكون الأمر فالمسألة التي طرحها الكسائي هي: كيف تقول: “كنت أظن العقرب أشدَّ لَسْعَةً من الزُّنبور، فإذا هو هي” أو “هو إيَّاها”؟ (طبقات النحويين واللغويين 68)

فأصر سيبويه على أن الصحيح هو الرفع (فإذا هو هي) وأصر الكسائي على جواز الرفع والنصب، واحتُكم إلى الأعراب الذين على باب خالد البرمكي، وهم من الأعراب الذين لا يثق سيبويه والبصريون بعربيتهم فأيدوا ما ذهب إليه الكسائي، وخرج سيبويه حزينًا!

ويذهب الشيخ محمد الطنطاوي إلى أن جمهرة العلماء يرون “أن إصبع السياسة لعبت دورًا كبيرًا في هذه الحادثة الخطيرة؛ لأنها حكم بين البلدين لا بين الرجلين” (نشأة النحو 45)

وقد عالج ابن هشام هذه المسألة علاجًا واعيًا حيث ذكر مقالة أبي عثماني المازني: “دخلت بَغْدَاد فألقيت عَليّ مسَائِل فَكنت أُجِيب فِيهَا على مذهبي ويخطئونني على مذاهبهم اهـ وَهَكَذَا اتّفق لسيبويه رَحمَه الله تَعَالَى” (مغني اللبيب 125)

فسيبويه يمثل مذهبا نحويا له قواعده ومناهجه، فهو ينطلق من هذا المذهب، والكسائي يمثل مذهبًا نحويًا له قواعده ومناهجه، فهو يقيس المسألة وفق مذهبه، ومعروف ما بين المذهبين من اختلافات، فهناك مسائل كثيرة لا يلتقيان فيها، فالبصريون يعتمدون في بناء قواعدهم على الشائع في الاستعمال اللغوي عند العرب الفصحاء الذين لم تخالطهم شائبة من عجمة، وما يخرج عن هذا الشائع يسمونه شاذا أو نادرًا، ولا يحفلون به، أما الكوفيون فيحولون هذا الشاذ والنادر عند البصريين يحولونها إلى أصل تبنى عليه قواعدهم.

والصواب ما أجاب به سيبويه، وقد وردت آيات كثيرة في الذكر الحكيم على النمط الذي أجاب به سيبويه منها قوله تعالى:

  • ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ ‌بَيْضَاءُ ‌لِلنَّاظِرِينَ ﴾ [الأعراف: 108] 
  • ﴿فَأَلْقَاهَا ‌فَإِذَا ‌هِيَ ‌حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: 20] 
  • ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ‌فَإِذَا ‌هِيَ ‌شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97] 
  • ﴿‌فَأَلْقَى ‌عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: 32] 

 وأيَّد ابن هشام ما ذهب إليه سيبوية فقال: ” وَأما سُؤال الْكسَائي فَجَوَابه مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ، وَهُوَ فَإِذا هُوَ هِيَ، هَذَا هُوَ وَجه الْكَلَام، مثل {فَإِذا هِيَ بَيْضَاء} {فَإِذا هِيَ حَيَّة} وَأما فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا إِن ثَبت فخارج عَن الْقيَاس وَاسْتِعْمَال الفصحاء كالجزم بلن، وَالنّصب بلم، والجر بلَعَلَّ، وسيبويه وَأَصْحَابه لَا يلتفتون لمثل ذَلِك وَإِن تكلم بعض الْعَرَب بِهِ” (مغني البيب 125)

ورع الكسائي وأخلاقه

وينبغي أن يشير الباحث أن الأوصاف التي أطلقها بعض المتعصبين على الكسائي وجرح عدالته، إنما هي بعيدة عن الصواب والعدل، فالكسائي إمام كبير تروى له قراءة من قراءات الذكر الحكيم، كما أنه مؤدب الخلفاء وأولادهم، والخلفاء كانوا يختارون المؤدبين ويمتحنونهم، ويراقبون أداءهم، فالمهدي أبعد مؤدب ولده الرشيد حين سأله عن الأمر من “استاك” فأجاب المؤدب إجابة صحيحة نحويًا، ولكن فيها سوء أدب؛ لأنه لم يراع مقام الخلافة[1]     

كما أن في الكسائي من الورع ما يحصنه من الكذب والتدليس والرشوة من الأمور التي لا يسقط فيها إلا الصغار، فقد جاء عند القفطي قول الفراء: “لقيت الكسائي يوما فرأيته كالباكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد، يوجّه إليّ فيحضرني، فيسألني عن الشيء؛ فإن أبطأت في الجواب لحقنى منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل. قال: فقلت له ممتحنا: يا أبا الحسن، من يعترض عليك! قل ما شئت، فأنت الكسائي! فأخذ لسانه بيده وقال: قطعه الله إذا إن قلت ما لا أعلم! قال أبو عمر الدّوريّ: لم يغيّر الكسائي شيئا من حاله مع السلطان إلا لباسه قال: فرآه بعض علماء الكوفيين وعليه جربّانات عظام، فقال له: يا أبا الحسن، ما هذا الزّيّ؟ فقال: أدب من أدب السلطان، لا يثلم دينًا، ولا يدخل في بدعة، ولا يخرج عن سنّة” (إنباه الرواة 2/266)

[1]  الحكاية عند القفطي في إنباه الرواة 2/259

المبحث الثالث: خصائص مدرسة الكوفة النحوية

العلاقة بين المدرستين (البصرة والكوفة)

لا شك أن مدرسة الكوفة جاءت تالية لمدرسة البصرة، فقد سبقتها البصرة؛ بل إن مؤسس مدرسة الكوفة -الكسائي- كان لا يزال في طور التكوين والبناء العلمي على يد الخليل الذي نصحه بالرحلة إلى البادية، وتعرف الكسائي وقتئذ منهاج مدرسة البصريين في السماع والقياس.

ولا شك أيضا أن مدرسة الكوفة لم تنشأ من أجل الشغب على البصريين، وإنما جاءت بناء على رؤية للمشهد اللغوي في ظل بعض القراءات القرآنية التي تحتاج –وفق المنهج البصري– إلى التأويل والتخريج، فرأت أن الحاجة ماسة للتوسع في السماع والقياس؛ محافظة على اللغة العربية التي جرت على ألسنة العرب، واستجابة لمتطلبات النص القرآني الذي نشأت جميع العلوم اللغوية في ظله.

ومن هنا يرى د شوقي ضيف “أن مدار الاختلاف بين المدرستين الكوفية والبصرية وأئمتهما لم يكن يراد به إلى المناقضة، وإنما كان يراد به إلى تبين وجه الصواب في إخلاص؛ ولذلك كثر بينهم الالتقاء في الآراء، وأن يتابع الكوفي البصريين والبصري الكوفيين، وكأنهم جميعا أغصان من دوحة واحدة” (المدارس النحوية 178)

وساق د. شوقي ضيف بعض الأمثلة القرآنية التي تبرز اختلاف الرؤية بين المدرستين، وطريقة كل منها في وضع القواعد والضوابط، ومن ذلك إعراب (والصابئون) في قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ‌وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: 69] 

فالبصريون يرون في رفعه وجهين:

الأول: أنه مرفوع بالابتداء وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقدير والصابئون كذلك، مثل قولهم إن زيدًا وعمرو قائم، أي إن زيدًا قائمٌ وعمرو قائم.

الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره ما بعده، أما خبر إن في بداية الجملة فهو المحذوف

أما الكسائي فرأى أن (والصابئون) معطوف على موضع اسم إنّ “فوضع قاعدة عامة: أنه يجوز العطف على موضع إن واسمها، وموضعهما الابتداء وهو مرفوع، قبل مجيء الخبر، فيقال: إن محمدًا وعلي مسافران” (المدارس النحوية 177)

وفي قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ ‌بَاسِطٌ ‌ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18] 

البصريون لا يرون إعمال اسم الفاعل إلا إذا كان للحال أو الاستقبال؛ ولذلك تأولوا (باسط) على حكاية الحال الماضية.

أما الكسائي فوجد أن اسم الفاعل في الآية عمل النصب وهو بمعنى الماضي “فوضع قاعدة عامة، هي أنه يعمل النصب بمعنى الماضي وبمعنى الحال والاستقبال” (المدارس النحوية 178)

أبرز مميزات المنهج الكوفي

يميز مدرسة الكوفة أمران:

الأول: الاتساع في السماع

فبينما يتشدد البصريون في رواية اللغة فيتحاشون صنفين من القبائل: تلك التي تجاور الفرس والروم، وتلك التي نزلت بضواحي المدن كبغداد، وإنما تأخذ من القبائل التي يتأكد لديها أن فصاحتها لا تشوبها شائبة.

أما الكوفيون فيوسعون دائرة الرواية لتشمل القبائل التي يسمع منها البصريون، وتلك التي تتاخم غير العرب، وتعيش على أطراف المدن.

الثاني: الاتساع في القياس

فالبصريون يبنون قواعدهم على الشائع المطرد  من كلام العرب، وما خرج على هذه القواعد يلقون به في زاوية الشاذ أي الخارج على أقيستهم وقواعدهم.

أما الكوفيون فكان لا يعتمدون كثيرًا على الشائع المطرد، بل إذا وجدوا شاهدًا أسسوا عليه قاعدة وعقدوا له بابًا، واصطنع الكوفيون لمذهبهم مصطلحات غير مصطلحات المذهب البصري، ومن ذلك” يقول البصري: النعت، والكوفي: الصفة، والبصري: البدل، والكوفي الترجمة، والبصري الظرف، والكوفي الصفة أو المحل، والبصري حروف الجر، والكوفي الإضافة، والبصري الجر، والكوفي الخفض…” (نشأة النحو 124)

خاتمة البحث ونتائجه

حاول الباحث في هذه الصفحات أن يتعرف إلى الإمام الكسائي المؤسس لمدرسة الكوفة النحوية، وأن يتابع مسيرته وهو يجتهد طلبًا للعلم من مصادره المتنوعة، وأن يقف عند نماذج من المناظرات التي انتصر فيها لرأيه بناء على مذهبه وما يعتمد عليه من أدلة سماعية وقياسية، ولمس الباحث أبرز السمات التي تميز المذهب الكوفي في مسألتي السماع والقياس، فقد توسع فيهما بينما تشدد المذهب البصري، وكل هذا النشاط حفظ لنا لغتنا بشائها المطرد وبشاذها النادر.

ويمكن إيجاز نتائج البحث فيما يأتي:

  1. الإمام الكسائي مثل أعلى لطالب العلم المجتهد الحريص على البحث والدراسة وإنتاج المعرفة
  2. الإمام الكسائي عالم صدوق مخلص لا يعرف الكذب ولا التدليس
  3. المناظرات سجالات فكرية تشعل أوار البحث، وتدفع إلى رقي المعرفة وتطورها
  4. التعصب الأعمى لمذهب أو لرأي إنما هو اتباع للهوى يبعد صاحبه عن الحق والنصفة
  5. علوم العربية – وفي مقدمتها النحو – نشأت من أجل فهم النص القرآني والمحافظة عليه
  6. الاختلاف بين المذهبين البصري والكوفي ينطبق عليه المثل “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.”
  7. صرح النحو بناء عملاق مازال العلماء يضيفون إليه إضافات مهمة مع تقلبات الزمان وتطور المكان.

مراجع البحث

  1. طبقات النحويين واللغويين، أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، دار المعارف
  2. إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (ت ٦٤٦هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي – القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية – بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ – ١٩٨٢م.
  3. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله ابن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام (ت ٧٦١هـ) المحقق: د. مازن المبارك / محمد علي حمد الله الناشر: دار الفكر – دمشق، الطبعة: السادسة، ١٩٨٥
  4. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاةـ، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية – لبنان / صيدا
  5. ما تلحن فيه العامة لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، تحقيق: د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي – القاهرة 1982
  1. نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، الشيخ محمد الطنطاوي، المحقق: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل، مكتبة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة: الأولى ٢٠٠٥م-١٤٢٦هـ
  2. المدارس النحوية، أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (ت ١٤٢٦هـ)، دار المعارف.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0