كيف نتكلم؟ رحلة مدهشة داخل جهاز النطق البشري

كيف نتكلم؟ رحلة مدهشة داخل جهاز النطق البشري

الحمد لله الذي اصطفى لساننا العربي على سائر الألسنة، وأودعَ ما فيه ما أودعَ من الحِكمة، وأناط به علائق الإتقان والصنعة، فهيَّأه ليكون وعاءً لشريعته الخاتمة، وحاملًا لمعاني معجزته الخالدة، والصلاة والسلام على خير من نطق به قاطبة.

أما بعد،

لماذا يجب علينا إتقان النطق؟

فإنَّ اللغةَ «‌أصوات ‌يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»[1]، ولمّا كانت الأصوات هي أصغر وَحدة لُغوية، كان لزامًا على كل متحدِّث بالعربية أن ينطقها نطقًا صحيحًا، مراعيًا مخارجها وصفاتِها، وكان حريًّا بالمؤدي الصوتي الذي يخاطب المستمعين عامَّة أن يكون قدوةً لهم في سلامة النطق، فإنَّ اختلال النطق قد يؤدي أحيانًا إلى فساد المعنى، وإرباك المستمع، وتشتيت فكْرِه، ألا ترى أنَّ تفخيم التاء في كلمة (التَّلاق) تُحوِّلها إلى كلمة أخرى جديدة من حقل مختلِف، فبونٌ كبير بين (التَّلاق) و(الطَّلاق). ولا شكَّ أنَّ النطق السليم هو حلية الأداء؛ لأنه يحافظ على موسيقيَّة الصوت اللُّغويِّ، فينساب في الأذن انسيابًا!

وهاكَ هذه السلسةَ من المقالات مَدْخَلًا وجيزًا إلى علم الأصوات العربية، سلسةَ: «هندسةُ الصوت العربي.. من المخارج إلى الأداء»، تعرض مِن علم الأصوات ما الحاجة إليه أكثر إلحاحًا، وتُعرِّج في أثناء ذلك على الأخطاء الصوتيَّة الشائعة بين المعاصرين، أو قل اللَّحن الصوتي، والغاية من وراء ذلك أنْ يُجوَّد الأداء؛ لِيُمتِع المستمع، ويُؤثِّر الأثر المرغوب فيه، والله تعالى من وراء القصد، وهو حسبنا ونِعمَ الوكيل.

 

جهاز النُّطق: تصميم إلهيٌّ مُتعدِّد الوظائف

حبا اللهُ أحسنُ الخالقينَ الإنسانَ جِهازًا ينتِجُ الأصواتَ يُسمَّى مجازًا جهاز النطق،رسم توضيحي لأعضاء جهاز النطق عند الإنسان إذ إنَّ أعضاء هذا الجهازِ ليست مخصَّصةً للنطق وَحدَه، ولا نقول إنَّ أعضاء هذا الجهاز لم تكن مخلوقةً أوَّلَ الأمرِ لتؤدِّيَ وظائف إنتاج الكلام، ثم تطورت في حقبة تاريخية نتيجة ذكاء الإنسان والضرورة الاجتماعية، بل إنَّ هذه الأعضاء صمَّمها أحسنُ الخالقين تصميمًا يهيِّئُها لوظائف إنتاج الكلام إلى جانب وظائفها الكثيرة، إذ إنَّها «بالشكل الذي هي عليه قد هُيِّئَتْ للقيام بعملية الكلام، بمقدار ما شُكِّلت للقيام بعملية التنفس وتناول الغذاء، واللسان الإنساني من المرونة بمقدار يزيد بكثير عما تتطلبه عملية ابتلاع الطعام، وسبب هذا أن المرونة الزائدة لازمة لإنتاج مختلف الأصوات اللغوية، والبلعوم الإنساني والقصبة الهوائية قد شُكِّلتا بحيث تلائمان بين عملتَي التنفس والتغذّي، والأذن الإنسانية قد شُكِّلت لتتلاءم مع استقبال الأصوات الكلامية، لا لمجرد استقبال أي صوت، ولهذا فقد بلغت من الدقة بحيث تدرك أقل الفروق الصوتية، وخاصة هذه الفروق التي يلزم إدراكُها لإدراك الكلام، والمخ الإنساني يحتوي على مركز خاص وظيفته إدراك الكلام وإنتاجه»[2]، {فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ ‌أَحۡسَنُ ‌ٱلۡخَٰلِقِينَ} [المؤمنون: 14]

وهذا الجِهاز قادر على إنتاج كل الأصوات الإنسانية التي يستخدمها البشر على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، وعلى اختلاف أجناسهم وأوطانهم، ومن ثمَّ عرض القرآن الكريم لهذه القدرة في سياق خلق السماوات والأرض، ليشير إلى عظمة القدرة التي مكَّنت الإنسانَ من إنتاج الأصوات، يوقل ربُّنا تعالى جَدُّه: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱخۡتِلَٰفُ ‌أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ} [الروم: 22]

العناصر الثلاثة لصناعة الصوت البشري

ومن المعروف أنَّ الإنسانَ يُنتج الصوتَ اللغوي باجتماع ثلاثة عناصر، هي:

  1. تيار هواء (هواء الزفير).
  2. مجرًى ينطلق فيه هذا هواء.
  3. تدخُّلٌ في المجرى تدخُّلًا متنوِّعًا وفقَ طبيعة الصوت؛ فقد يكون تدخُّلًا بإغلاق المجرى إغلاقًا تامًّا، أو بتضييقه فيحتكُّ الهواء بالمجرى، أو بتعديله من حيث وضعُ الشفتَين واللّسان، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

التشريح الدقيق: مما يتكون جهاز النطق؟

هذا الجهاز الذي يوفر عناصر إنتاج الصوت اللغوي الثلاثة، يتكوَّن من ثلاثة أعضاءٍ أساسة، هي:

  1. الرِّئتان.
  2. الحنجرة.
  3. تجاويف ما فوقَ الحنجرة

الرئتان:

مصدر هواء التنفس والكلام، «ويحدث الكلام عادة من هواء الزفير، لكن عملية الزفير التي يتم خلالها النطق ليست مجرد إخراج الهواء على نحو منساب، وإنما يخرج الهواء في دُفعات تتفق كل دُفعة منها مع مقطع صوتي كامل، وذلك تبعًا لتتابع خَفَقات الحجاب الحاجز»[3]

الحَنجرة:

شكل الحنجرة ومكوناتها الداخليةهي الممر المؤدي إلى الرئتين وهي إطار مكون من غضاريف وعضلات في قمة القصبة الهوائية في منطقة العنق، وتتكون من غضروفين كبيرين؛ الغضروفِ العلوي هو الدرقي [تفاحة آدم]، والغضروف الحلَقَي، الذي فيه الوتران الصوتيان، والفُتحة بين الوترين  تُسمَّى فُتْحةَ المزمار.

غرف الرنين: أين يتشكَّل صدى الصوت؟

تجاويف ما فوق الحنجرة ثلاثة:

  1. التَّجْويف الحَلْقِيُّ: قناة تبدأ من فوق الحنجرة، فهو منطقة يلتقي فيها التجويفان الفموي والأنفي.
  2. التَّجويف الفَمَوِيُّ: أهم تجويف في جهاز النطق، فإنه يضم معظم الأعضاء المشترِكة في إنتاج الأصوات؛ مثل اللسان والشفتين والأسنان وسقف الفم.
  3. التَّجويف الأنْفيُّ: فراغ ثابت الحجم داخل الأنف، وعندما يرتفع الحنك اللين (الجزء الأخير من سقف الفم) فإنَّه يغلق التجويف الأنفي.

الوتران الصوتيّان: سرُّ الهمس والجهر

شريحتان من النسيج اللحمي والعضلي تشبهان الشفتين وتنظر إلى الأعلى، ولها 4 أوضاع رئيسة عند إصدار الأصوات اللغوية، هي كالآتي:

  1. أوضاع الوترين الصوتيين أثناء التنفس والكلام 2الوتران متباعدان تمامًا والمزمار مفتوح على هيئة شق طولي مثلث، عند الصمت والتنفس العادي، وعندما يُنتج الصوت مع هذا الانفتاح يكون الصوت مهموسًا، فالصوت المهموس الذي يُنطق من دون اهتزاز وذبذبة في الوترين الصوتيين.

وأنت إذا وضعت يديك على أذنيكَ عند نطقك صوتًا مهموسًا ما شعرتَ بطنين، كذلك لن تشعر بذبذبة الوترين إذا جسَسْتَ حنجرتكَ عند نطق المهموس، مثل صوت /س /.

  1. الوتران في حالة تضييق؛ اقتربا قليلًا أحدُهما من الآخر وضاقت الفُتحة بينهما، والنتيجة عند مرور الهواء صدور صوت احتكاكي مهموس هو صوت الهاء /ه/.

  2. وضع تكوين النغمة الموسيقية أو الجهر، فيه ينغلق المزمار بجذب الوترين الصوتيين ثم يباعد بينهما بقوة الهواء المندفع من الرئتين، ويتكرر الفتح والغلق بسرعة فيتذبذب الوتران ويهتزان اهتزازًا سريعًا، وهذا عند نطق الأصوات المجهورة، والصوت المجهور هو الصوت الذي يُنطق باهتزاز الوترين الصوتيين وتذبذبهما.
    وإذا وضعت يديك على أذنيكَ عند نطقك صوتًا مجهورًا شعرتَ بطنين ناجمٍ عن ذبذبة الوترَينِ، كذلك تشعر بذبذبة الوَتَرَيْنِ الصوتيَّيْنِ إذا جسَسْتَ حنجرتكَ عند نطق المجهور، مثل صوت /م /.

  3. وضع القفل المحكم، ينطبق الوتران انطباقًا تامًّا لفترة زمنية قصيرة بحيث لا يسمحان بمرور الهواء، فيقف الهواء تمامًا ثم ينفتحان فينفجر الهواء انفجارًا خفيفًا، وهو وضع إنتاج صوت همزة القطع /ء /، وهي لذلك صوت لا يوصف بالجهر ولا بالهمس.أوضاع الوترين الصوتيين أثناء التنفس والكلام 2

[1] الخصائص 1/ 34

[2] المدخل إلى علم الأصوات العربية 47 (نقلًا عن “الكلام إنتاجه وتحليله” – د. عبد الرحمن أيوب)

[3] السابق 49 -50 (نقلًا عن “أصوات اللغة” – د. عبد الرحمن أيوب)

0