إعراب سورة الإخلاص - ضمير الشأن - عاصم السيد عنادل

أسرار “ضمير الشأن” في سورة الإخلاص: لماذا قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟

مقدمة: روعة البيان في كلمة

الحمد لله الذي جعل لساننا العربيَّ وعاءً لوحيه الخالد، والصلاة والسلام على مَن أُوتي جوامع الكلم، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حين نرتل قوله الحق: ﴿‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قد تمرُّ أبصارنا على الضمير “هُوَ” مرورًا سريعًا، ظانّين أنَّه عائدٍ على لفظ الجلالة الآتي بعده. ولكن، أصحيح أن يعود هذا الضمير على اسمٍ ذُكِرَ بعدَه؟ أتأمَّلت يومًا السرَّ البلاغيَّ الكامن خلف هذا الضمير؟ أتساءَلتَ: لِمَ لَمْ يقل ربنا “قل اللهُ أحدٌ” مباشرةً؟ إنها دعوةٌ لنتدبَّرَ معًا خبايا النحو العربي، لنرى كيف انتظم القرآن نظمًا إيمانيًّا مُدهشًا معجِزًا، ونبحر في مركب “عنادل” نستكشف دقة التركيب واتّساع معانيه، في سورة من أوجز سور القرآن العظيم، لكنَّها كما أخبر عنها رسولنا الكريم تعدل ثلث القرآن.

التحليل النحوي: خطواتٌ منطقية لفهم الآية

اعلم أن التحليل النحوي للجملة العربية يعتمد على أسئلة منطقية مرتبة، فإذا أردت إعراب قوله تعالى: ﴿‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] 

فاسأل نفسكَ أولًا عن نوع الجملة، أهي اسمية أم فعلية؟ أحسنت، هي جملة فعلية، واعلم أن لها ركنَيْنِ أساسَيْن لا تخلو منهما جملة فعلية، هما الفعل والفاعل، فالفعل قلْ فعل أمر، وفعل الأمر مبني على الدوام، فراجع درسنا عن الإعراب والبناء الذي يظهر رابطه أعلى الشاشة يمينًا أو يسارًا، إذًا قلْ: فعل أمر مبني على السكون، فأين الفاعل؟ من المأمور بالقول؟ أحسنت، إنه المخاطبُ رسولنا الكريم ﷺ، فالفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، وأود أن نقف هنا متأملين وصف الضمير بأنه مستتر وجوبًا، وأن نسأل: متى يستتر الضمير وجوبًا؟ ومتى يستتر جوازًا؟ ولمَهْ؟

فقه استتار الضمير: الفرق بين الوجوب والجواز

اعلم أن الضمائر الشخصية في العربية تدل على حاضر أو غائب، فالحاضر أحد طرفي موقف الكلام، المتكلم والمخاطب، والغائب خِلاف ذلك، فالضمير أنت يدلُّ على المخاطب، فهو ضمير حضور، والضميران أنا ونحن يدلان على المتكلم وعلى جماعة المتكلمين فهما ضميرا حضور أيضًا، أما الضميران هو وهي فيدلان على الغائب والغائبة.

فاعلم أن ضمير الحضور يستتر وجوبًا، وضميرَ الغائب يستتر جوازًا، ولعلك تتساءل لِمَه؟

لقد تأمل النحاة لغتنا الشريفة تأملًا دقيقًا فوجدوا أنَّ الفاعل إن كان ضمير حضور (أنا أو نحن أو أنت) فلا يمكنُ أن يحل محلَّه غيرُه أبدًا سواءٌ أكان اسمًا ظاهرًا أم ضميرًا منفصلًا.

أمثلة من الذكر الحكيم:

  • كما في الآية التي بين أيدينا: ﴿‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، ففاعل قُل، لا يمكن أن يكونَ غيرَ الضمير (أنتَ).
  • وقال جلَّ وتقدَّس: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، ففاعل (تقهر) ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنت).
  • وقال تعالى جَدُّه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1]، ففاعل (نشرح) ضمير مستتر وجوبًا تقديره (نحن).
  • وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: 1]، ففاعل (أعوذ) ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا).
  • وقال ربنا عز وجل: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ ‌اسْكُنْ ‌أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ [البقرة: 35]، فإذا قلتَ أليس فاعل (اسكن) الضميرُ البارز المنفصل (أنت)؟

قلت: نعم، إن الضمير البارز المنفصل (أنت) ليس الفاعل؛ لأن الفاعل ضمير مستكن في فعل الأمر، ألا ترى أنك إذا سمعت (اسْكُنِ الجنة) عملت أن الفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنت)، فكيف نعرب الضمير البارز الوارد في الآية؟هو توكيد لضمير الفاعل المستتر، ضمير مبني على الفتح في محل رفعٍ.

إذن فالضمير المستتر وجوبًا هو ضمير الحاضر؛ لأنه لا يحل محلَّه غيرُه، ماذا عن ضمير الغائب؟ إنه يستتر جوازًا؛ لأنه يمكن أن يحل محله اسمٌ ظاهر

إذا قلت: سالمٌ قرأَ الدرسَ

ففاعل (قرأ) ضمير مستتر جوازًا تقديره هو، فإذا سألت كيف يمكن أن يحل محله غيرُه؟ قلت: ألا يمكن أن نقول: سالمٌ قرأ صديقُه الدرسَ، فالفاعل هنا ( صديقُ) سالم.

قال تعالى: ﴿ ‌لَمْ ‌يَلِدْ ‌وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3] 

فاعل (يلد) ضمير مستتر جوازًا تقديره “هو”

و(يولد) فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه السكون، والنائب عن الفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره “هو”.

استثناءات هامة: متى يستتر ضمير الغائب وجوبًا؟

لكن اعلم أن لكل قاعدة استثناء، فإن ضمير الغائب يستتر وجوبًا في ثلاثة أحوال مخصوصة:

  1. في باب التعجب على صيغة “ما أفعل”

قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا ‌أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17] 

ففاعل (أكفر) ضمير مستتر وجوبًا تقديره هو

  1. فاعل أفعال الاستثاء عدا وخلا وحاشا

روى أبو هريرة عن رسول الله قوله: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»[1].

يشير إلى بيتِ لَبيدِ بنِ ربيعةَ رضي الله عنه:

أَلا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ بَاطِلُ** وَكُلُّ نَعيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ.

ففاعل فعل الاستثناء (خلا) ضمير مستتر وجوبًا تقديره هو

  1. أن يقع فاعلًا لفعل المدح نِعْمَ أو فعلِ الذمِّ بئسَ، بشرط أن يكونَ مفسَّرًا بنكرة، قال تعالى:﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ ‌بَدَلًا﴾ [الكهف: 50] 

ففاعل بئس ضمير مستتر وجوبًا تقديره هو

سرُّ “هو”: ضمير الشأن والتفخيم

وبعد هذا البيان لقضية استتار الضمير وجوبًا وجوازًا نعود إلى إعراب قوله تعالى: ﴿‌قُلْ ‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

وقد أعربنا فعل الأمر (قل) وفاعله، وعَقِب ذلك تأتي الجملة المقولة، الجملة التي أُمر رسولنا الكريم بقولها: ﴿‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلْتسأل: أهي جملة اسمية أم فعلية؟ أحسنت، هي اسمية، فيها ركنان أساسان هما المبتدأ والخبر، لكن ما معنى هذا الضمير الذي بدأت به الآية الكريمة؟ قد يسارع البعض إلى القول إنه يدل على لفظ الجلالة بعده؟ وهذا غير صحيح.

فاعلم أن الضمائر في العربية شخصية وغير شخصية، فالضمائر الشخصية تدل على متكلم أو مخاطب أو غائب، وفي العربية ضمير سماه النحاة ضمير الشأن، وسمَّوْه ضمير القصة وضمير الحكاية، «وهو ضمير غير شخصي؛ أي لا يدل على متكلم أو مخاطب أو غائب، وإنما يدل على معنى ‌الشأن أو الأمر أو القصة ويقع في صدر الجملة، ويكون مبتدأً لها، وتكون الجملة مفسرة له وتقع خبرًا عنه»[2]، ويُستعملُ في مواضع التعظيم والتفخيم ألم تسمع العوامَّ في مصرَ يقولون: “هوَّ الاجتهاد طريق النجاح، الحكايةُ والرواية الاجتهادُ طريقُ النجاح”.

قال صاحب معاني النحو: «من عادة العرب أنهم قد يقدمون على الجملة ضميرًا تفسره الجملة بعده يسمى ضمير الشأن، ويسميه الكوفيون ضمير المجهول، وذلك في مواضع التفخيم والتعظيم… ويسميه الكوفيون الضمير المجهول، لأنه لم يتقدمه ما يعود إليه»[3]

فالضمير في قوله تعالى: ﴿‌هُوَ ‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ضمير الشأن، والمعنى: الشأن، الأمرُ، القضيةُ الكبرى: اللهُ أحدٌ

فضمير الشأن هو ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفعٍ مبتدأ أول، وكيف تبحث عن الخبر؟ تسأل: بم أخبر الله عن المبتدأ؟ فيكون الجواب: اللهُ أحدٌ، فلفظ الجلالة مبتدأ ثانٍ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وأحدٌ: خبر المبتدأ الثاني مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة الاسمية من المبتدأ الثاني وخبره في محلِّ رفعٍ خبر المبتدأ الأول.

والجملة المقولة من المبتدأ الأول وخبره في محلِّ نصبٍ، مفعولٌ به لفعل الأمر “قلْ”

ولعل سائلًا يسأل: ألا يمكن أن يُقال: قل: اللهُ أحدٌ من دون ضمير الشأن؟

«جاء في الطراز: إن ضمير الشأن والقصة على اختلاف أحواله، إنما يريد على جهة المبالغة في تعظيم تلك القصة، وتفخيم شأنها، وتحصيل البلاغة فيه، من جهة إضماره أولًا وتفسيره ثانيًا، لأن الشيء إذا كان مبهمًا فالنفوس متطلعة إلى فهمه ولها تشوق إليه»[4].

وجوهٌ أخرى تُغني التدبُّر القرآنيَّ

ما أبلغَ لغة القرآن وما أجملَها، وجدير بالذكر أنَّ للآية وجوه إعراب أخرى، تعتمد على أنَ الضمير “هو” ليس ضمير الشأن وإنما يعود على كلمة “ربّ”؟ ولعلك تسأل: وأين وردت كلمة رب؟ أورد صاحب الدر المصون هذا الوجه في الضمير “هو” أنه: «عائدٌ على ما يفْهَمُ من السياقِ، فإنه يُرْوى في الأسباب: أنَّهم قالوا لرسولِ الله ﷺ: صِفْ لنا ربَّك وانْسُبْه وقيل: قالوا له: أمِنْ نُحاس هو أم مِنْ حديدٍ؟ فنَزَلَتْ، وحينئذٍ يجوزُ أَنْ يكونَ «الله» مبتدأً، و «أَحَدٌ» خبرُه. والجملةُ خبرُ الأولُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «اللَّهُ» بدلاً، و«أحدٌ» الخبرَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «اللَّهُ» خبراً أوَّلَ، و«أحدٌ» خبراً ثانيًا. ويجوزُ أَنْ يكونَ «أحدٌ» خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أحدٌ»[5].

خاتمة: ثلث القرآن في أربع آيات

إنَّ تفكُّرنا في “ضمير الشأن” ومعناه في الآية الأولى سورة الإخلاص يفتح لنا آفاقًا مِن الجلال، فما أبلغَ لغة القرآن وما أجملَها! إذ تبدأ السورة بأمرٍ إلى رسولنا الكريم ﷺ أن يقول، فإذا الجملة المقولة مبدوءة بضمير تتطلع النفوس إلى تفسيره وتتشوَّق، ويُنبي بأنَّ الكلام عن موضوع عظيم، فيأتي الخبر﴿‌اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يغرس القضية الكبرى في القلوب غرسًا، ويمحو عنها ثقافة الشِّرْك. قد بلغت هذه  السورة مبلغًا عاليًا جعلها تَعْدِلُ ثُلَث القرآن، أخبرنا بذلك الصادق الأمين ﷺ، إذ أورد مسلمٌ في صحيحه ما رواه أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: «أَيَعْجِزُ أحَدُكُمْ أنْ يَقْرَأَ في لَيْلَةٍ ثُلُثَ القُرْآنِ؟ قالوا: وكيفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ القُرْآنِ؟ قالَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»[6].

تنويه بمقالنا القادم: أسرار البلاغة في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾

وعلى مرافئ التدبر ذاتها، ترقبوا مقالنا القادم -بإذن الله- حيث سنقف متأمِّلينَ إعجاز قوله جلَّ وتقدَّس: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. ولعلك تتساءل: ما عساه أن يكون في جملة قرآنية تركَّبتْ مِن كلمتين اثنتين؟ فاشحذْ عقلك معي، وأعرني فؤادك وسمعك؛ لنكتشف كيف يفيض هذا التركيب الوجيز بأوجهٍ بلاغية تدهش لها القلوب، وبخفايا معانٍ عالية تملأ العقول نورًا، وتهتف بأنَّ هذا القرآن من عند الله.

[1] الراوي: أبو هريرة | صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 3841

[2] التطبيق النحوي 49

[3] معاني النحو 1/ 57

[4] السابق 1/ 58

[5] الدر المصون في علوم الكتاب المكنون 11/ 149

[6] الراوي: أبو الدرداء | صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 811

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0