علم الصرف في اللغة العربية – مقال تعليمي

علم الصرف واسطة العِقد

علم الصرف ومكانته بين علوم العربية

الحمد للهِ مُصرِّفِ القلوب، ومُبَدِّلِ الحسناتِ بسيِّئات الذنوب، والصلاة والسلام على سيِّد المُرسلين، رحمةِ الله للعالمينَ، الذي هَدْيُه مَصْدر النور، ومُشْتَقُّ السعادةِ في الدَّارَينِ والسرور، أمّا بعد:

فالصرف عِلمٌ جليل، وهو عِلمُ الكلمة، يدرسُ بنيتها وهيئتها، هو واسطة العِقْد، موقعه بين علمِ الأصوات وعلمِ النحو، أوُّلهما يدرس الصوتَ اللُّغَويَّ مِن حيثُ الصفاتُ المخارجُ، والنحوُ يدرس العَلاقاتِ بين الكلمات في الجملة العربيَّة، والصرف بينهما يستمدُّ مِن علم الأصوات ما تسبين به موضوعاتٌ فيه كالإعلال والإبدال خاصةً، ثمَّ هو يُمِدُّ النَّحْوَ بروافدِه.

أمثلة تطبيقية على الظواهر الصوتية والصرفية

ألا ترى أنَّك إذا أردتَّ أن تصوغَ مِن مادَّة (صبر) على وزن (افتَعَلَ)، فإنَّ القياسَ أنْ تقول: اصتَبَرَ، ولغتنا الشريفة لغة تجنح إلى اليسر دائمًا من كلِّ وجه، وإنَّه لَعُسْرٌ أن تنطق الصاد المفخَّمةَ متبوعةً بتاء مرقَّقَة، حينئذٍ يلجأ العربيُّ بسليقته المُيسِّرة إلى صوت الطاء، الذي هو قسيمُ التاءِ في مخرجها، وهو مِثْلُها مِن حيثُ الشدَّةُ، إذ يُنْطق كلاهما بإغلاق مخرج الحرف إغلاقًا كاملًا، أي إنَّ كِلَيْهما صوتٌ وقفِيٌّ انفجارِيٌّ، وهو مِثْلُها مِن حيث الهمس، فلا يتذبذب الوتران عند نطقهما، والفرق بين الصَّوتَينِ أنَّ الطاء صوتٌ مُطبَقٌ مُفَخَّم، يسْهُلُ الإتيان به بعد الصاد المطبقة المفخمة، فيقول العربيُّ: اصْطَبَر، والوزن الصرفيُّ هو (افتَعَل)، قال ربُّنا جلَّ وعلا: {رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ ‌وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ} [مريم: 65]، ويقول صاحب التحرير والتنوير: «‌وَالِاصْطِبَارِ: شِدَّةُ الصَّبْرِ عَلَى الْأَمْرِ الشَّاقِّ، لِأَنَّ صِيغَةَ الِافْتِعَالِ تَرِدُ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ الْفِعْلِ»[1].

كذلك الحال إذا أردتَ أن تصوغَ على وزن (افتَعَلَ) مِنْ (زَجَر)، فالعربيُّ لا ينفكَّ يجنَحُ إلى اليُسر، فيقلب التاءَ دالًا، فالدال صوت يشبه التاء في صفاتِه إلّا من حيثُ الجهر والهمس، فالدال مجهورُ التاء؛ وذلا ناسبَ أن يعقبَ الزاي المجهورة في قولك: ازْدَجَرَ، على زِنَةِ: افتَعَلَ. قال ربُّنا جلَّ وعلا: {وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ ‌مُزۡدَجَرٌ} [القمر: 4]، يقول صاحب التحرير والتنوير: «وَالْمُزْدَجَرُ: ‌مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَهُوَ مُصاغٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ الَّذِي فِعْلُهُ زَائِدٌ عَلَى «ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. ازْدَجَرَهُ بِمَعْنَى زَجَرَهُ، وَمَادَّةُ الِافْتِعَالِ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالدَّالُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ الَّتِي تُبْدَلُ بَعْدَ الزَّايِ»[2].

أثر الصيغ الصرفية في تحديد الوظائف النحوية

ثمَّ انظر إلى أثر تعرُّفِ الصيغة الصرفية في معرفة الوظيفة النحويَّة، قال ربُّنا جلَ وتقدَّس: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي ‌جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ } [البقرة: 30]، فانتصاب {خَلِيفَةٗ} على المفعوليَّة، إنما هو من عمل اسم الفاعل {جَاعِلٞ}، ألا ترى أنَّك عرفْتَ الوظيفةَ النحويَّة بمعرفتِك البينةَ الصرفيَّة؟

وفي باب الممنوع من الصرف، يعلِّل لنا علم الصرف سبب منع كلمة (أشياء) من الصرف، وقد وردت ممنوعة من الصرف في قول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ ‌أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ} [المائدة: 101]، إذ قد يسأل سائل عن سبب منع كلمة (أشياء) من الصرف، فيما جاءت كلمة (أسماء) مصروفة في القرآن الكريم، في نحو قوله عزَّ وجلَّ: {أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ ‌أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ} [الأعراف: 71] ناظرًا إلى التشابه الظاهر بين الكلمتَيْن، بَيد أنَّ كلمة (أسماء) على زِنَةِ (أفعال) إذ الهمزة فيها أصلية منقلبة عن واو، والألف في (أسماء) ليست ألف التأنيث الممدودة فتُمنع الكلمة من الصرف؛ لأنَّ علامة التأنيث دائمًا زائدة، أمّا كلمة (أشياء) فليست على وزن (أفعال)، فقد وقَع فيها قَلْبٌ المكانيَّ، فإنَّ «أصل ‌أشياء: (شيْأَاء) على وزن (فعْلاء)، قُدِّمَت الهمزة التي هي اللام في موضع الفاء، فصار (‌أشياء) على وزن (لَفْعَاءَ)، فَمنعها مِن الصرف نظرًا إلى الأصل، الذى هو (فَعْلاء) ولا شكَّ أنَّ (فعلاء) مِن موازين ألف التأنيث الممدودة، فهو ممنوع مِن الصرف لذلك»[3].

شرف علم الصرف في عيون العلماء

 وقد أجادَ ابن عصفورٍ -رحمه الله- تسميةَ كتابه في علمِ التصريف بـ(المُمْتِع)؛ «ليكونَ اسمُه وَفْقَ معناه، ومُتَرْجِمًا عَنْ فَحْواه»[4]، وقد جعل بعد خطبةِ كتابه فصلًا لبيان شرف علم التصريف ومرتبته، فهو عنده «أَشْرَفُ شَطْرَيِ العربيةِ وأغمضُهما؛ فالذي يُبيِّن شرفَه احتياجُ جميعِ المُشْتَغِلينَ باللُّغةِ العربيَّة مِن نَحْويٍّ وَلُغَويٍّ إليه أيَّما حاجة؛ لأنَّه ميزانُ العربيَّة، ألا ترى أنَّه قد يؤخذُ جزءٌ كبيرٌ مِن اللُّغَةِ بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلّا مِن طريق التَّصريف… ومما يُبيِّن شرفَه أيضًا أنَّه لا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلّا به»[5].

لماذا يُقدَّم النحو في التدريس على الصرف؟

ولعلَّ سائلًا يسأل: لِمَ يُقدَّمُ علم النحو في التدريس على علمِ الصَّرف؟ حتّى إنَّهم يُطلقون على الأستاذ في دار العلوم: أستاذ النحو والصرف والعَروض! ويرى صحابُ الممتعِ أنَّه «قد كان ينبغي أنْ يُقدَّم علم التصريف على غيره من علوم العربية، إذ هو معرفة ذوات الكَلِمِ في أنفسِها مِن غير تركيب، ومعرفةُ الشيءِ في نفسه قبلَ أنْ يتركَّب، ينبغي أنْ تكونَ مُقدَّمَةٍ على معرفةِ أحواله التي تكون له بعد التركيب، إلّا أنَّه أُخِّرَ لِلُطْفِه ودقَّتِه، فجُعِل ما قُدِّمَ عليه مِن ذكْرِ العواملِ توطئةً له، حتى لا يصلَ إليه الطالب إلّا وهو قد تدرَّبَ وارْتاض للقِياس»[6].

ما الذي يدرسه علم الصرف وما الذي لا يدرسه؟

فإذا سألت: أيدروأيدرس الأيدرسُ علمُ الصف كلَّ الكلمات؟ أجابك صاحب شذا العَرفِ بأنه «يختصُّ بالأسماءِ المُتَمَكِّنَةِ، والأفعالِ المتصرِّفةِ»[7]، فلا يدرسُ الحرفَ ولا الاسمَ المبنيَّ ولا الفعلَ الجامد. أمّا الأسماء المتمكِّنةُ، فهي التي تمكَّنت في باب الاسميَّة، فلم تُشبه الحرف فتُبنى، والصَّرف إذن يدرس المُعرَبَ مِن الأسماء ولا يَدْرُسُ المبنيَّ منها، وهو يدرسُ الأفعالَ المتصرِّفَةَ، ولا يدرسُ الجامدَ منها نحوَ: ليس، يلازمُ صورة الماضي أبدًا، فلا مصدرَ منه ولا مضارعَ له ولا أمر.

خريطتا علم الصرف: المجرّد والمزيد، والصحيح والمعتل

ويقوم علمُ الصرف على خريطتَيْنِ أساسَتَيْنِ هما: خريطة المجرَّد والمَزيد، وخريطةُ الصحيح والمُعْتَل، والإحاطة بهاتين الخريطتَيْنِ يُعين على إتقانِ المهارات الصرفيَّة التي لا يستغني عنها ناطقٌ بالعربيَّة، بل لَبِنة في بناء الكلام وفهم معانيه، فاعلم أنَّ الزيادة في لغتنا لها نظام مُحكم، ولا تكون الزيادة إلّا لأداء وظيفة معيَّنة، ألا ترى أنَّ الهمزَةُ تُزاد على الفعل فتجعل اللازم متعدِّيًا، انظر إلى الفعل اللازم (يخرُج) في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ ‌فَيَخۡرُجُ ‌مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ} [البقرة: 74]، إذا زيدتَ عليه المزة تعدّى فاعلَه لينصب مفعولًا به، كما في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ ‌فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ } [البقرة: 22].

وقد تُفيد الهمزة معنى الدخول في الزمان أو المكان، كما في قوله تعالى: {فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ ‌تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ} [الروم: 17]، فالفِعْلانِ في الآية الكريمة فعلان تامّانِ وليسا من أخوات (كان) الناقصة، فـ(تُمْسونَ) أي تدخلون في وقت المساء، و(تُصْبِحونَ) أي تدخلون في وقت الصباح.

وقد تؤدِّي الهمزةُ معنى الإزالة، تأمَّل قول الله تعالى: {وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا} [الجن: 15] فـ(القاسِطونَ) اسمُ فاعلٍ على زِنة (فاعِل) اشْتُقَّ من الثلاثيِّ (قَسَطَ) الذي يأتي بمعنى ظَلَم وجارَ، ولمّا زادت عليه الهمزة أفادت معنى إزالة الظلم، واشتُق اسم الفاعل من (أقسَط) على زنة المضارع منه، بإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر، فتقول: (مُقسِط)، قال ربُّنا جلَّ وتقدَّس: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ‌ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [المائدة: 42]. ومِن أمثلة همزة الإزالة دخولها على الفعل (عَجُمَ) الذي هو ضد الإعراب والإفصاح، فسُمِّيَ مُعجَمًا ذلكمُ  الكتابُ الذي يزيل الإبهام ويُفصح عن معاني المفردات وضبطِها.

ثمرةُ علمِ الصرف

ومعرفةُ قواعد الصرف الأساسة لا يستغني عنها متحدِّث ولا كاتب، ففيها «صَونُ اللِّسانِ عن الخطأِ في المفرداتِ، ومراعاةُ قانون اللُّغَةِ في الكتابة»[8]، ومن الأغلاط الصرفيَّة الشائعة في حياتنا المعاصرة أنْ يكتب البائع لافتةً يُعلِّقها في متجره تقول: (البضاعةُ المُباعَة لا تُردُّ ولا تُستبدَل)، والصواب أنْ يقول: (البضاعةُ المَبيعةُ لا تُردُّ ولا تُستبدَل)، فـ(المبَيعة) اسم مفعول من الثلاثيِّ (باعَ)، ويكون المعنى: البضاعة التي بيعَت لا تُردُّ ولا تستبدل، أمَّا (المُباعة) فاسمُ مفعول من فوق الثلاثيِّ (أباعَ)، وأباعَ الشيءَ أي عرضه للبيع، فالبضاعة المُباعة هي البضاعة التي عُرضت للبيع، فكيف يصِحُّ أن يُقال: البضاعةُ التي عُرضَت للبيع لا تُردُ ولا تُستبدل؟

فألزم لسانَك وقلمَكَ الفصاحةَ، وزِنْ كلماتك على ميزان العربيَّة، فما أجدرَ أن يخلوَ كلامُنا –أبناءَ اللِّسان العربيِّ الثريِّ السَّرِيِّ- من الغلط اللُّغوِيِّ!

[1] التحرير والتنوير 16/ 142

[2] التحرير والتنوير 27/ 174 – 175

[3] شذا العرف في فن الصرف 16

[4] الممتع الكبير في التصريف 28

[5] الممتع الكبير في التصريف 31

[6] الممتع الكبير في التصريف 33

[7] شذا العرف في فن الصرف 11

[8] شذا العرف في فن الصرف 11

الصرف الوجيز

8 Videos
0