صورة مقال السمع أبو الملكات اللسانية، كيف نتعلم التحدث بالفصحى

السمع أبو الملكات اللسانية: كيف تتعلم الفصحى بوصفها صنعة حية؟

من عقدة المعرفة النظرية إلى طلاقة الأداء اليومي

مقدمة: حيرة المتكلِّم ووهم القواعد المغلقة

الحمد لله الذي اصطفى لساننا العربي على سائر الألسنة، وأودعَ فيه ما أودعَ من الحِكمة، وأناط به علائق الإتقان والصنعة، فهيَّأه ليكون وعاءً لشريعته الخاتمة، وحاملًا لمعاني معجزته الخالدة، والصلاة والسلام على خير من نطق به قاطبة.

يتكرر في الواقع التعليمي مشهدٌ يبعث على التأمل؛ حيث ينفق كثير من الدارسين والمعلمين سنوات طوالًا من أعمارهم في مُدارسة القواعد النحوية والصرفية، ويحفظون المتون عَن ظهر قلب، حتى إذا وقف أحدهم ليتحدث أمام الجمهور، أو أراد التعبير عن شأنٍ من شؤون حياته بالفصحى، تلجلج لسانه، وتلعثم بيانه، وتردد بين المرفوع والمجرور، فلم يستطع أن يتحدَّثَ دقيقتين متَّصلتين مِن دون رهبة تُقعِده، أو عثرة تُربِكه. فكيف إذن يكون تعلم التحدث بالفصحى؟

لماذا يحدث هذا الانفصام بين الحفظ والعمل؟ ولماذا نجد متخصصين في القواعد يقعون في اللَّحن عند الحديث العفويِّ الارتجالي، في حينِ كان الأعرابيُّ في البادية يرسل الكلام ساطعًا فصيحًا جاريًا على السليقة دون أن يعرف التقسيمات النحوية للفاعل والمفعول؟

إن الإجابة تكمن في تصحيح مفهوم التعلم اللغوي؛ إذ إن مشكلتنا الكبرى أننا نتعلم عن اللغة، ولا نتعلم اللغةَ نفسها؛ نعرف خصائصها وقواعدها النظرية، ولكننا نهمل التعامل معها بوصفها مهارة حية، وصنعة تُغرس في الجَنان، ويمارسها اللسان.

لماذا لا تكفي المعرفة النظرية وحدها؟

إنَّ اقتصارَ التعلُّم على أروقة الكتب وقوانين الإعراب يُبقي القواعد حبيسة الذاكرة الصامتة، والمعرفة النظريَّة وحدَها لا تُغني عن مباشرة مهارات اللغة وممارستها ممارسةً دائمة؛ استماعًا وتحدُّثًا، ثمَّ قِراءةً وكِتابةً.

فاللسان -كما يُبَيِّنُ كتابي «الصوت العربي»- عضلةٌ خصَّها ربُّنا أحسن الخالقين بمرونة فائقة؛ لا تلائم فقط وظائف التذوق وابتلاع الطعام، بل تلائم الحركة الدقيقة لإنتاج الأصوات اللغوية، وهذه المرونة العضليَّة والتَّكيُّف النُّطقيُّ ليست تنميتُهما بحفظِ القواعد! بل يستجيبان للتمرين العمليِّ المباشر بالسماع والإسماع، غَذِّ أُذَنَيْكِ بفصيح لغتنا الجميلة، وحرِّك به لسانَك كلَّ يَوم. إنَّ دراسة قوانين الحركة والطفوِ وتوازن الأجسام لا تمنح المرء القدرة على السباحة، الذي يعلِّمكَ السباحةَ أن تَنزل إلى الماء. اعلم أنَّ حفظ المتون على ضرورته ونفعِه وأهمِّيَّته لا يمنح اللسان طلاقةً، حتى ينطق فعلًا، ويُترجم القواعدَ كلامًا يُمليه ىالجَنان المتشبِّع بالسماع ثمَّ بالقراءة، على اللِسانَينِ، لسانِك متحدِّثًا وقلمِكَ كاتبًا.

اللغة بوصفها صنعة ومهارة

في تأصيل هذا المفهوم التربوي، نرجع إلى عالمنا الفذِّ ابن خلدون رحمه الله، الذي أدركَ أنَّ الملكة اللغوية تختلف عن معرفة قواعدها وقوانينها، «وإنِّما هي بمثابة مَن يعرف صناعةً مِن الصَّنائع عِلمًا، ولا يُحكمها عملًا»[1].

وقد ضرب ابن خلدون لذلك مثلًا يُقرِّب الفكرة، حين شبه التعلُّم اللغوي بصناعة الخياطة؛ فالمرء الذي يريد تعلم الخياطة لا يمكنه أن يتقنها بالاكتفاء بقراءة كتاب عن أنواع الأقمشة وطرق القص والحَبك؛ فإن قراءته النظرية مهما تبلغْ، فلن تجعله قادرًا على حياكة ثوب واحد، وإنما يكتسب المهارة الفعلية حين يُمسك الإبرة بيده، وويحيك ويخيط مرارًا وتَكرارًا، ويصيب ويخطئ ويصحِّح له المعلِّم حتى يستقيم عمله.

«مثل أن يقول بصيرٌ بالخياطة غيرُ مُحكمٍ لملكتها في التَّعبير عن بعض أنواعها الخياطة: هِيَ أَنْ يدخل الخيطَ في خرت ‌الإبرة، ثمَّ يغرزها في لفقي الثَّوب مجتمعين، ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا، ثمَّ يردَّها إلى حيث ابتدأت، ويخرجها قدّام منفذها الأوَّل بمطرح ما بين الثُّقبين الأوَّلين، ثمَّ يتمادى على ذلك إلى آخر العمل، ويعطي صورة الحبك والتَّثبيت والتَّفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها. وهو إذا طولب أنْ يَعمل ذلك بيده لا يُحكم منه شيئ»[2]

فاللغة إذن مهارة وَمَلَكَة، يتطلَّب إتقانها الدُّربة والممارسة، وإنَّ العلمَ بقوانين اللغة وقواعدها وأحكامها دون الدربة والممارسة الحية، لا يعصم اللسان والقلم من الوقوع في الأخطاء اللغوية الشَّنيعة التي لا يقع فيها تلميذ صغير، يقول ابن خلدون: «وهكذا العلمُ بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإنَّ العلم بقوانين الإعراب إنَّما هو علم بكيفيَّة العمل، وليس هو نفس العمل؛ ولذلك نجد كثيرًا مِن جهابذة النُّحاة والمهرة في صناعة العربيَّة المحيطين علمًا بتلك القوانين، إذا سُئِل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودَّته أو شكوى ظُلامة أو قصدٍ من قصوده، أخطأ فيها عن الصَّواب، وأكثر من اللَّحن، ولم يُجِد تأليف الكلام لذلك، والعبارةَ عن المقصودِ على أساليب اللِّسان العربيِّ. وكذا نجد كثيرًا ممَّن يُحسن هذه الملكة، ويجيد الفنَّيْنِ مِن المنظوم والمنثور، وهو لا يُحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئًا من قوانين صناعة العربيّة»[3].

السماع ودوره في بناء الملكة اللِّسانيَّة

إذا كانت اللغة مَلَكةً ومهارةً، فما المدخل الأول لبنائها؟ يجيبنا ابن خلدون في إيجازٍ عبقريٍّ: «والسّمع ‌أبو ‌الملكات اللّسانيّة»[4]
.

فاللغات بنت السماع، والأذن هي الحاضنة الأولى التي تلتقط النغمات اللغوية، والتراكيب، وصفات الأصوات ومخارجها، ويُعضِّد هذا الطرحَ ما أودعه الله تعالى جَدُّه في الأذن الإنسانية مِن دقَّة فائقة تُمكِّنها من إدراك الفروق الصوتية، وصولًا إلى فهم الكلام وتذوقه.

إن الطفل لا يبدأ تعلُّم اللغة بتعلم القراءة والكتابة ولا بقواعد النحو والتصريف، وإنما يُغمر بسماع أصحاب اللغة مِن حوله، فيخزن عقله الباطن أنماط الكلام ومواضع النغم والتراكيب دون إجهاد، وعندما يستقر السماع  في وجدانه، ينطق لسانه بما سمع طوعًا وسليقة، فإذا سمع فصيح الكلام في صِباه، تكلَّم به دون عناء، فاعلم «أَنَّ الآلية الحقيقية للتواصل اللفظيِّ في اللغة المنطوقة إنما تُكتسب في سن الطفولة، وأنَّها باعتبارها مهارة خاصَّة تتطوَّر مع الطفل بصورة لا إرادية، وبدون جهد واع، أو تعليمات إرشادية، ويتم اكتسابها تلقائيًّا من خلال منطقها الداخليِّ، وأنَّ الإنسان يولد ولديه الميل الفطريُّ لأن يتكلم كما تكشف عن ذلك مرحلة المناغاة عند الرُّضَّع»[5].

ولنا في سيرة رسولنا الكريم ﷺ أسوة حسنة، إذ «مكث محمدٌ ﷺ في مضارب “بني سعدٍ” خمس سنوات، صحَّ فيها بدنُه، واطَّرد نماؤه»[6]، حيث يخالطُ الأعراب الذين «يومئذ هم ‌أهل الفصاحة، يلتمسهم ‌الرواة، ويحملون عنهم ويرون فيهم بقية ‌اللغة ومادة العرب»[7]، «فتركتْ هذه التربية البدويَّة طابعها الخاصَّ في شخصيَّته، وأكسبته صحَّة الجسم والنَّفس، وصلابة الخلق وفصاحة اللسان»[8]، إضافةً إلى أنَّ «تنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوِّها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف»[9].

وقد يسأل سائلٌ: أليست مكَّةُ مهدًا للفصاحة؟ قلت: بَلى، «ولكنْ يبقى للبادية مع هذا، نقاء عربيَّتها نسبيًّا بالقياس إلى بيئة مكة التي عرفت الاختلاط قبل الإسلام، بحكم مركزها الدينيِّ والتجاريِّ؛ فإليها كان حج العرب، ومنها كانت رحلتا الشتاء والصيف إلى اليمن والشام»[10].

لذا، فإن الخطوة الأولى لتجويد الأداء اللغويِّ هي توفير نصيب يومي من السماع اللغوي الفصيح؛ استمِع إلى القراءات القرآنية المتقنة، والحديث النبويِّ الشريف البليغ، والخطب المفوَّهة، والتسجيلات الرصينة، فإن السماع يغذي الجَنان بالسليقة الصحيحة التي ترفض النَّشاز، وتنبو عن الغلط.

التحدث والممارسة: «اسْمَعْ وَأَسْمِعْ»

غير أن السماع -وهو مهارة استقبال- لا يكتمل أثره إلا بتفعيل المهارة المقابلة له في دائرة الإنتاج، وهي مهارة التحدث.

وقد لخص د. كمال بشر -رحمه الله- هذه الخطة العملية في كَلِمتين جامعتَيْن في كتابه «فن الكلام»: «اسْمَعْ وَأَسْمِعْ».

ومعنى «أَسْمِعْ» أن تُنتِج الكلام بنفسك، وأن تتحدث بالفصحى محاكيًا ما سَمعت، مُسمِعًا نفسَك ومَن حولك، لا بأس أن تقع في الغلط، لكنْ حوِّلْ كُلَّ غَلَطٍ عِلْمًا، وكُلَّ عَثْرةٍ درجةً، ترتقيها صعودًا إلى الإتقان، اللُّغة مهارةٌ مُكْتَسَبَةٌ، تَصْقِلُها الممارسة؛ دوامُ الاستماعِ إليها منطوقةً نطقًا سليمًا، ومؤدّاةً أداءً مُعبِّرًا، وما أكثرَ المصادر التي تُشنِّفُ الآذانَ بعربيَّةٍ فصيحة جميلة ممتعة في عصر الصَّوْت والصّورة! فإنَّها لا تبعدُ عن أناملك قيدَ نَقرة.

واكتسابُ المهارة اللُّغويَّة لا شكَّ يحتاج إلى قدوة، والقدوةُ هي قارئُ القرآنِ في المسجد، والأمُّ في البيت، والأستاذُ في المدرسة، والمذيع في التلفاز، والخطيب على المِنْبَر، والفنّان مُمَثِّلًا ومُطْرِبًا، أولئك الذين عليهم أنْ يَحْرِصوا على إسماع النَّشْء لغةً رائقة ماتعة، حينئذٍ يمتصُّ الطفل اللُّغة امتصاصًا، ويَنْزَرِعُ نظامُها في قلبه، فتجري على لسانه خاليةً من اللَّحْن، وإنْ لم يَدْرُسْ قاعدةً نحويَّةً أو صرفيَّةً، وإنَّما بهذه الطريق وحدَها يتحدَّث الطِّفل لسانَ أبوَيْهِ العامِّيَّ مِنْ دونِ مُعلِّمٍ ومِنْ دونِ قواعد، يسمع تلك اللُّغةَ ليلَ نهارَ، فتجري في عقله جريانَ الدَّمِ في العروق، فإذا احتاج التعبيرَ نَطَقَ في سهولةٍ ويُسْرٍ.

والشاهد ألّا تقصر استعمالَك اللغةَ على القراءة ؛ بل أن استعمِل لغتنا الفصحى استعمالًا حيويًّا يُلامس شؤونَ حياتك، تحدَّث بالفصحى عن مدينتك التي نشأت فيها، عن ذكريات طفولتك، عن موقف مر بك، صِف يومك وأهدافك وشارك أحبابكَ آمالَك وأحلامَ؛ إنَّ ربط اللغة بالحياة هو الذي يفك عقدة اللسان، ويُجري لغتنا الجميلة جَريانًا طبعيًّا طليقًا لا تكلف فيه ولا تصنع.

القدوة والتصويب في تجربة «صبي الميكانيكي»

لكي تستقيم هذه الصناعة، يحتاج المتعلِّم إلى بيئة حاضنة وعنصر توجيهي؛ وقد صور د. كمال بشر -رحمه الله- هذه الرحلة تصويرًا جميلًا مبنيًّا على أنَّ اللغة صَنعةُ من الصنائع، قارن الوصول إلى الإتقان اللغويِّ بما يجري في ورشة الميكانيكي، يأتي الصَّبيُّ جاهلًا لا يدرك شيئًا عما أراد اكتسابه أو معرفته من حِرْفة أو صنعة، ما السبيل إذًا إلى هذا الاكتساب وتلك المعرفة؟ يبدأ بالمشاهدةِ وتقليب النَّظر، الذي يقابل السماع في الكلام، ويتابع ما يقوم به «الأسطى»، الذي يقابل القدوةَ اللُّغويَّة الفاعلة، سواء أكان معلمًا كُفْئًا أم مذيعًا أم غير ذلك، وبعد فترةٍ تطول أو تقصر وَفْقَ قُدُراتِ الصَّبيِّ واستعداده، يدخل في مرحلة التَّجْرِبَةِ والمحاولة الفِعليَّة، التي تقابل الإتيان بالكلام نطقًا، فيُعْمِلُ أفكارَه ويُحيلُها حقيقةً واقعة، في صورة إنجازِ ما عُهِدَ إليه من عملٍ أو صَنْعة. قد يُخْطئُ هذا الصبيُّ في محاولاته، فيُعيد المحاولةَ بنفسِه أو بإرشادِ «الأسطى» وتوجيهِه، أو مَن يقوم مقامه، وهكذا حتى يَصْلُبَ عودُه، ويخبُرَ مِهْنَتَهُ ويتدرَّجَ في منهجه هذا حتى يصبحَ هو الآخر «أسطى» له قَدْرُهُ في دنيا الصَّنائع.[11]

كيف نحوِّل لغتنا الفصحى إلى ممارسة يومية؟ (صناعة البادية الصغيرة)

قد يتساءل الراغب في التعلم: كيف أجد البيئة الفصيحة في عصر طغت فيه العاميات؟ والجواب الذي تقدمه عنادل في كل إصداراتها التدريبية والمكتوبة والمرئية هو: اصنع أنت باديَتَك الصغيرة!

وقد تقدَّم كيف كان العرب يرسلون أبناءهم إلى البادية ليتربوا في بيئة لسانية نقية تسلم فيها ألسنتهم من اختلاط الألسنة الوافدة، وتعصم العقل من فاسد الثقافات، فما أحوجنا إلى مثل هذه التنشئة في عصرٍ صار العالم فيه قريةً واحدة، ضغطة زرٍّ تسافر بك حول العالم، ترى رأي العين ثقافاته وعاداته، وتسمع لغاته وحكاياته، فصار لِزامًا على المربي والمعلم والمتعلم أن يُصنِّع باديَتَه الصغيرة؛ بتخصيص عشر دقائق -مثلًا- يوميًّا للتحدث بالفصحى في البيت مع الأبناء والأهل عن شؤون الحياة، ولْتَزْدَد هذه الدقائق مرَّة بعد مرة، ولْتوضع في إطار من المسابقة واللعب.

إن هذه الممارسة اليومية تُحدث في الإنسانِ أثرًا تراكميًّا عظيمًا؛ فهي تكسر الرهبة النفسية، وتعود عضلات النطقِ المخارجَ الصحيحة، وتجعل لغتنا الفصحى لغةً حيَّةً في القلوب، وتنفخ الروح في كلماتها وتراكيبها، فتصنع إنسانًا حرَّ الفِكر، عاليَ الهِمَّة، عربيَّ الوجهِ واليدِ واللِّسان.

الخوف من الخطأ وهمَّة الأئمة

إن العائق الأكبر الذي يقف أمام انطلاق اللسان ليس ضعف المعرفة، بل هو الخوف والرهبة من الوقوع في اللحن.

وَأنت من الغلطِ بينَ رجلَيْن، واحدٍ يستهين به، ويقبل به ويستمرئه، فذلكم الذي يسدِّدُ الطعناتِ الغادرةَ لِلُغته، التي هي مفتاح ثقافته، ولُبُّ هُويَّته، وأشْنِعْ بها جريمةً! وآخر يجعل غلطَه مطيَّتَه إلى الصواب، ورَكوبتَهُ إلى الإتقان، ودافعَه إلى طلب العلم، فكن ذلك الرجل الثاني.

وفي سيرة كبار أئمة لغتنا العربية عِبرة لِمَن اعتبر؛ إذ لم يولد أحد منهم معصومًا عن اللحن فهذا إمام النحاة سيبويه -رضي الله عنه-، كان في أول طلبه العلمَ يطلب الحديث الشريف عند شيخه حماد بن سلمة، «قال نصر بن علي: كان سيبويهِ يستملي مِن حماد بن سلمة يومًا: قال رسول الله ﷺ: «ما أحدٌ مِن أصحابي إلّا وقَدْ أخذْتُ عليه، لَيس أَبا الدَّرْداء»

فقال سيبويهِ: «ليس أبو الدرداء»، فقالَ: لحنْتَ يا سيبويهِ، فقال سيبويهِ: لا جرمَ! لأَطْلُبَنَّ عِلْمًا لا تُلَحِّنُني فيه أبدًا، فطلب النَّحوَ، ولم يزلْ يُلازم الخليل».[12]

وهذا عليُّ بنُ حمزةَ الكسائي -رضي الله عنه-، مِن أعلام العربيَّة العِظام، واحد مِن أئمَّة القراءات السَّبع المُتواترة، كما أنَّه عَمِلَ مُؤَدِّبًا، فهو رجلٌ تربويٌّ، وهو كذلك رأسُ مدرسة الكوفة النَّحويَّة وإمامُها، ذكر المُتَرْجِمونَ له أنَّه تعلَّم النَّحو على كِبَرٍ، وذلك حين جالس قومًا مِن الفُضلاء مِن مُحبّي العربيَّة، وكان قد مشى طويلًا حتّى أصابه الإعياء، فأحبَّ أن يُعبِّر عن هذه الحال فخانه التَّعبير، حيثُ قال: «قد عَيَّيْتُ، فقالوا له: تُجالسنا وأنت تَلْحَن! قال: كيف لحنت؟ قالوا له: إنْ كُنْتَ أردتَ مِن التَّعب، فَقُلْ: «أَعْيَيْتُ»، وإنْ كُنْتَ تريد مِن انقطاع الحيلة فَقُلْ: «عَيِيتُ». فأنت مِن هذه الكلمة لَحَنْتَ، ثُمَّ قام مِن فَوْرِه ذلك يسألُ عَمَّنْ يُعلِّم النَّحو، فأرشدوه إلى مُعاذ الهرّاء، فَلَزِمَهُ حتَّى أنفد ما عنده»[13]

والمتأمِّل في هذا النصِّ يُلاحظ أنَّ اللَّحْن -الخطأَ في استخدام اللغة– كان يُعَدُّ عَيْبًا، ينبغي أنْ يتخلَّص منه صاحبه، ويُحسنَ استخدام العربيَّة استخدامًا صحيحًا، وإلّا فلا يليق به أنْ يكونَ في مجالس أصحاب الفضل والعلم.

فليس العيب أن تخطئ، بل العيب أن ترضى هذا الخطأ، ولا تسعى سَعْيًا إلى التخلُّص منه، وأن يحرمك الخوف من الخطأ أن تزين لسانكَ بجميل لغتنا العربية.

خلاصة عملية والقرب من الكتاب

إن لغتنا العربية لغة يسيرة مطردة النظام، أودع الله فيها من اليُسر والشرف ما لم يوجد في لغة أخرى قط، كيف لا؟ وقد اصطفاها من بين أكثر من ألفي لسانٍ على ظهر هذه الأرض، لتكون لسان الرسالة السماواية الأخيرة، التي تحمل خلاص الإنسان وسعادته في الدّارَيْن!

ليس بينك وبين إتقانها إلا أن تُشنِّف بها أذنك، وتزين بها لسان، وتكحِّل بها عينيك، وينطق بها قلمُك، أيحيا الإنسان يومًا في معزلٍ عن اللغة؟ فاجعل لغتَك العربية لغة حياة، فإنك حينئذٍ بها ستحيا وتنهض. عامل لغتَك بوصفها صنعةً وملكةً حية تقوم على السماع والإسماع.

وإذا أردت أن تسلك هذه السبيل متسلِّحًا أساس علمي صُلب يجمع بين دقة القواعد وعذوبة الأداء الصوتي، فإنّا ندعوك للالتحاق بـ«ورشة تصحيح الأخطاء اللغوية للمتحدثين والكُتّاب»عبر الرابط الآتي:

https://aanadel.com/product/arabic-language-correction-workshop/

ولاقتناء النسخة الإلكترونية من كتاب: «الصوت العربي: مدخل إلى علم الأصوات العربية وعناصر التلوين الصوتي»، الذي أهداه مؤلفه عاصم السيد سيف النصر «إلى الذين يعشقون لساننا العربيَّ نطقًا وفِكرًا.. إلى كل مَن أدرك أنَّ الصوتَ روحُ اللِّسان، وزينة البيانِ، وموسيقى الكلام.. أهدي هذا الكتاب؛ ليكون رفيقكم في رحلة تجويد النطق والأداء، وصون اللسانِ.»

اطلبوا النسخة الإلكترونية مباشرة عبر الرابط الآتي:

https://aanadel.com/product/al-sawt-al-arabi-voice-performance-book/

[1] تاريخ ابن خلدون 1/ 772

[2] السابق، الصفحة نفسها

[3] تاريخ ابن خلدون 1/ 773

[4] السابق 1/ 754

[5] العربية الصحيحة 46 – أحمد مختار عمر (عن كتاب (The language instinct – Steven pinker

[6] فقه السيرة 65 – محمد الغزالي

[7] تاريخ آداب العرب 1/ 36

[8] نساء النبي عليه الصلاة والسلام 19 – عائشة عبد الرحمن

[9] فقه السيرة 63 – محمد الغزالي

[10] نساء النبي عليه الصلاة والسلام 19 – عائشة عبد الرحمن

[11] انظر «فن الكلام» ٦٦-٦٧

[12] إنباه الرواة على أنباه النحاة ٢/ ٣٥٠

[13] السابق ٢/ ٢٥٧-258

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0