رسالةُ السماء الأخيرة إلى العالمين جميعًا
في اليوم العالمي للغة العربية أقول:
هذه لغتنا اصطفاها ربنا عزَّ وجلَّ لتكون لسانَ الوحيِ الخاتمِ المخاطِبِ العالمينَ جميعًا، قال ربنا جلَّ وتقدَّس: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرࣱ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [ص ٨٧]، وفي تفسير الآية جاء في «الجلالَيْنِ»: «﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما القُرْآن ﴿إلّا ذِكْر﴾ عِظَةٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ لِلْإنْسِ والجِنّ والعُقَلاء دُون المَلائِكَة»
الوهم الكبير: هل لغتنا العربيَّة صعبة حقًا؟
ورسالة السماء الأخيرة التي تخاطب العالمين جميعًا، وتحمل لهم صلاح دنياهم وأخراهم، محالٌ أن تكون صعبةً اللغة عسيرةَ الفهم، وكيف وربُّ العالمين تعالى جدُّه يقول: ﴿وَلَقَدۡ یَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرࣲ﴾ [القمر ١٧]، وتفسير الآية في «الجلالَين»: «﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآن لِلذِّكْرِ﴾ سَهَّلْناهُ لِلْحِفْظِ وهَيَّأْناهُ لِلتَّذَكُّرِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِر﴾ مُتَّعِظ بِهِ وحافِظ لَهُ والِاسْتِفْهام بِمَعْنى الأَمْر أيْ احْفَظُوهُ واتَّعِظُوا بِهِ ولَيْسَ يُحْفَظ مِن كُتُب اللَّه عَنْ ظَهْر القَلْب غَيْرُه»
وهذا التيسير الذي أشار له العليم الخبير في سورة القمر أربعًا، يقتضي تيسير لغة القرآن، ونحن نرى اليوم في مسابقات القرآن الكريم العالمية الناطقين بلغات أخرى مِن مشارق الأرض ومغاربها يحفظون القرآن حفظًا، ويرتِّلونه ترتيلًا، كأنَّهم تلَقَّوْه عن الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين-، وليس هذا لكتابٍ في تاريخ البشرية سوى القرآن الكريم، ولا لِسانَ يَمْلأ الحناجرَ ويَعْمُر الصدورَ على اختلاف الألسنة والألوان سوى لسانِنا العربيِّ المُبين.
فإذا كان ذلك كذلك، فواجبُ كلِّ أحدٍ مِن أبناء هذا اللِّسان الشَّريف أنْ يُتقنَه، وأعني هنا الحدَّ الأدنى مِن المعرفة باللِّسان العربي التي تحمي العقلَ مِن الفهمِ السَّقيم إذا سَمِعَ وقرأ، وتصون اللِّسان مِن الخطأ إذا نطق، وتقي القلمَ مِن الغلط إذا كتب، وإنّي لأشعر بأسف كبير وأنا أرى عارَ أغلاطِ الإملاء تنال أقلام الكُتّابِ أطباءَ ومهندسينَ ومعلِّمينَ وصَحَفِيّينَ، وأستشعرُ قبحَ الخطأ اللُّغويِّ الذي تلهج به ألسنة خُطباءَ ومُذيعينَ وقضاةٍ ومحامينَ، غيرَ عابئينَ بجريمتهم في حقِّ هذا اللِّسان الشريف، بل هي جريمة كبرى في حقِّ أنفسهم، ولقد نبَّهنا إلى عِظَمِ هذه الجريمة محمود شاكر -رحمه الله- مُطلِقًا صيحةً مدوِّيةً محذِّرة: «وإنَّ امْرءًا يقتل لغتَهُ وبيانَها، وآخرَ يقتلُ نفسَه، لَمِثلانِ، والثاني أعقل الرَّجلَيْنِ»
الغلَط اللغوِيُّ عارٌ ينبغي أن تتخلَّص منه
قد آن الأوان يا أهلَ اللسان العربي الثريِّ السريِّ، أن تَزينوا ألسنتَكم وأقلامَكم بالعربية الفصيحة الواضحة، وأن تَنْفِروا مُلْقينَ عَنْ ظهوركم آثامَ الأغلاطِ اللُّغويَّة، التي لا يصحُّ أنْ تصدر عَنْ كرام الناس، بل لا يصحُّ أن تصدر عَنْ صبيٍّ في مراحل الدراسة الأولى!
هذا لسانُ قرآنِكم، لسانُ كلامِ ربِكم، ولسانُ هَدْيِ نبيِّكم ﷺ، يناديكم إلى الفِكْر السليم، وإلى العزَّةِ والمَجْدِ، وإلى التقدِّم العلميِّ، فإنَّما الأممُ بلُغاتِها، وما تقدَّمت أمَّةٌ بلسان غيرها.
وصفة العلاج العمليَّة: كيف تُحيي لغتَك كلَّ يوم؟
سبيل تقويم العوج سهلٌ يسيرٌ، طريق إصلاح الغلط مُمَهَّدٌ مبسوطٌ، اجعل لِلُغَتِنا العربيَّة نصيبًا مِن يومك، لا يَمُرَّنَّ يومٌ مِن عمرك لا تطرُق فيه أبوابَ أذنِك، اسمعْ وِرْدَ القرآن، اسمعِ الخطبةَ الفصيحة، اسمعَ المسلسلَ التاريخيَّ، اسمعِ الأغنيةَ الفصيحةَ، اسمعِ الفيلم الوثائقيَّ، اسمعْ نشرةَ الأخبارِ، اسمعْ مسلسل الرُّسوم المتحرِّكة، فإذا سَمِعْتَ فَأَسْمِعْ، زِنْ لسانَك مُحاكيًا ما سَمِعْتَ، ولو عَشْرَ دقائقَ كلَّ يوم، صِف مدينَتَك، أَخْبِرْ أحبابَك عَنْ طريقة إعداد وجبتِك المفضَّلة، شارِكْهم ذكرى سعيدة، لا تحرم مَنْزِلَك مِن حوارٍ فصيح بين الأبناء والآباء يملأ البيت خيرًا وبركة وسعادة وعلمًا.
فإذا سَمِعْتَ وتحدَّثتَ، فقد غَرَسْتَ فسيلةَ لسانِنا العربيِّ في فؤادك، وحينئذٍ إذا قرأتَ، قرأتَ بأذنٍ تنبو عن الغلط، وإذا كتبتَ، كتبتَ بلسانٍ يَنْفِرُ مِن الخطأ، وإذا تدَّبرتَ أحوالَ العالمِ رأيته بعينِ ثقافتِك الإسلاميَّة العربيَّة، عينٌ ترفض القبيح، وتنتقي الحَسَن، وتشربُ مِن ثقافة الآخر ولُغَته مِن غيرِ أنْ تذوبَ فيها.
نداءٌ إلى الكرام: العربية هُويَّة ومستقبل
أناديكم نداءً من قلب صادق غمره حبُّكم وحبُّ اللِّسانِ العربيِّ الشريفِ، أناديكم بكلمات عمي د. طلال الدرويش -رحمه الله- التي شدا بها مُنطَلَقَ عنادلَ عامَ ٢٠١٤م:
نَعَمْ يا ابْنَ مِصْرَ وَفَخْرَ الأَوائلْ
تَرَنَّمْ وَنافِسْ خَريرَ الجَداوِلْ
وَنادِ الرِّفاقَ جَميعًا وَأَنْشِدْ
بِلِسْنِ الفَصاحَةِ لَحْنَ العَنادِلْ

وفقكم الله وسدد خطاكم. والحقيقة الخفية أن أعداء العربية هم أعداء الإسلام الذين يكيدون له
حياك الله وبياك
لا شكَّ، فالعربيَّة مفتاح من مفاتيح القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة
دمتَ طيبًا
بارك الله فيك ونفع بك وأشكرك على تقديم هذا المحتوى الذي يخدم لغة القرآن ويكفي أهل العربية فخرًا نزول القرآن الكريم بهذا اللسان وأنّها لغة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأختم بقول الرافعي
إنَّ الَّذي مَلأَ اللُّغاتِ مَحاسِنًا
جَعَلَ الجَمالَ وَسِرَّهُ في الضّادِ
بارك الله فيكم أخي الكريم