بعد أن فنَّدنا في (الجزء الأوَّل) دعاوى الغموض التي طالت عبارة كتاب سيبويه، ووقفنا على شهادة الإمام عبد القاهر الجرجانيِّ بفصاحته، فَلْنُشرع سُفَنَ التَّأمُّل في هذا الجزء؛ لنغوص في عبقريَّة التَّقسيم، وتسمية الأبواب في كتاب إمام النُّحاة. هلمَّ بنا نستجلِ كيف صاغ أزمنة الفعل، وكيف نطقت عباراته الموجزة بعلمٍ غزير.
أزمنة الفعل الثَّلاثة في ميزان محمود شاكر
وها هو ذا محمود شاكر -رحمه الله- يجتهد سابرًا أغوار عبارةِ سيبويه، فيرى أنَّ إمام النحاة جعل الزمن ثلاثة أزمنة:
- «فالزمن الأول، هو المقترن بالفعل الماضي الذى يدلُّ على فِعْل وَقَعَ قبل زمن الإِخبار به كقولك: “ذهب الرجلُ”، ولكن يخرجُ منه الفعل الذى هو على مِثَال الماضي أيضًا، ولكنه لا يدلُّ على وقوع الحدث في الزمن الماضي، نحو قولك في الدعاء: “غَفَر الله لك”، فإنَّه يدخل في الزمن الثاني، كما سأبيِّنهُ بَعْدُ.
- وأمّا الزَّمن الثاني، فهو الذى عبَّر عنه سيبويه بقوله بعد ذلك: «ومَا يَكونُ ولم يَقَعْ»، وذلك حين تقول آمرًا: “اخرُجْ”، فهو مقترنٌ بزَمن مُبْهم مُطْلَقٍ مُعَلَّقٍ لا يدلُّ على حاضر ولا مستقبل؛ لأنَّه لم يقع بعدُ خروجٌ، ولكنه كائنٌ عند نفاذِ “الخروج” مِن المأمور به، ومثلُه النهيُ حين تقول ناهيًا: “لا تَخْرُجْ”، فهو أيضاً في زمن مُبْهم مُطْلَقٍ معلَّقِ، وإن كان على مِثَال الفعل المضارع، فقد سُلبَ الدِّلالة على الحاضر والمستقبل؛ لأنه لم يَقَعْ، ولكنه كائنٌ بامتناع الذى نُهِيَ عن الخروج… ويدخُلُ في هذا الزمن أيضًا نَحْوُ قولك: “غَفَر الله لك” في الدعاء، وهو على مثال الماضي، فإنك لا تريدُ إخبارًا عن غفرانٍ مضى من الله سبحانه، ولكن تريد غفرانًا مِن الله يكون، ولكنَّه لم يقعْ بَعْدُ، وترجو بالدعاء أن يقعَ.
- وأمّا الزمن الثالث: فهو الذي عبَّر عنه سيبويه بقوله: «وما هو كائنٌ لم ينقطع»، فإنَّه خبرٌ عن حَدَثِ كائنٍ حين تخبرُ به، كقولك: “محمدٌ يضربُ ولَدَه”، فإنَّه خبرٌ عن ضَرْبٍ كائنٍ حينَ أخبرتَ في الحال، ولم ينقطع الضربُ بعد مُضِيِّ الحال إلى الاستقبال، ويَلْحقُ بهذا الزمنِ الثالثِ أيضًا مِثالُ الفعل الماضي كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96]، فهو خبرٌ عن مَغْفرةٍ كانت ولا أوَّلَ لها، وهي كائنةٌ أبدًا لا انقطاعَ لها؛ لأنها من صِفات الله سبحانه هو الأوّلُ والآخرُ.»[1]
دلالات الفعل بين الوقوع والانقطاع
إنَّ تقسيم صاحب الكتابِ لَتقسيم مدهش؛ لأنَّه تقسيمٌ داخل تقسيم، فالفعل من حيثُ بناؤه ماضٍ ومضارعٌ وأمرٌ، ومن حيث وقوعُه وزمنُه عند د. محمد كاظم البكّاء[2]:
- الماضي الذي وَقع وانقطعْ، يدل عليه صيغة الفعل الماضي: (ذَهَبَ).
- المستقبل الذي يكونُ ولم يقعْ بعدُ، فهو حدث مُنْتَظَر، يدلُّ عليه صيغة المضارع (يذهب)، وكذلك يدل عليه صيغة الأمر (اذهب).
- الحال الذي هو واقعٌ لم ينقطع.
وهذا القسم الثالث وَحْدَه عجيبٌ، فما الزمن الذي نسمّيه حالًا أو حاضرًا؟ يجيبك الشيخ عبد القاهر -رحمه الله ورضي عنه- في المقتصد: «أنَّه المعنى الذي يكون موجودًا في زمانِ الإخبار، كقولك: “زيدٌ يُصلّي”، تريدُ في حالِ حديثِك ملتبسٌ بالصلاة، فزمانُ الفعلِ والحدثِ به زمانٌ واحد، ثمَّ إنَّ هذا الموجود ف وقت الإخبار على ضربَيْنِ:
- أحدهما أن يكون شيئًا لم يكن قبل هذه الحالِ: كقولِك: “زيدٌ يصلّي”، تريد أنَّ اشتغاله بالصلاة حصل في زمانِك هذا ولم يكن قبل ذلك.
- والثاني أن يكونَ الفعل قد وُجِدَ قبل حالِك، إلّا أنَّه امتدَّ واتَّصلَ حتى اقترنَ بزمانك هذا وهو بعدُ موجودٌ، مثالُه قولك: “زيدٌ يعلمُ فنونًا مِن العِلْم”، فعِلْمُهُ ذلك قد كان مِن قبلُ، إلّا أنَّه لمّا لم ينقطع وكان موجودًا في وقتك هذا كان حالًا ولهذا قال صاحب الكتاب[3]: وممّا هو كائنٌ لم ينقطع”. فجعل من شرط الحال كونَ الفعل ولامته عن الانقطاع»[4].
فانظر إلى فهم شيخ البلاغة الدقيق لكلام سيبويه – رحمهما الله ورضي عنهما-، فإنه يشر إلى أنَّ زمن الحال قد يدل على حدثٍ حصل في وقت الكلام، وقد يدل على حدث وقع قبل وقت الكلام لكنَّه مستمرٌ لم ينقطع في وقت الكلام، فالأول مثالُه: قولك: “زيدٌ يُصلّي”، فزيدٌ في قائمٌ في صلاتِه يؤدِّها إذ نطقتَ بهذا الكلام. والثاني مثالُه: “زيدٌ يعلمُ النحوَ”، فهذا العلم وقع قبل وقتِ كلامِك، بيد أنَّه مستمر لم ينقطعْ حتى وقتِ كلامك.
فإذا أردتَّ زيادة الأمر بسطًا، فهلمَّ بنا إلى د. محمد كاظ البكّاء في كتابه «منهج كتابِ سيبويه في التقويم النحويِّ»، حيث جعل عبارة سيبويه تقسِّم الفعل على ثلاثة أوجه بيَّنها في الجدول الآتي[5]:
أنواع الفعل من حيث وقوعُه | أنواع الفعل مِن جهة أزمنته | أنواع الفعل مِن جهة بنائه | |
الفعل الواقع المنقطع | الفعل الماضي | الفعل الماضي | ذَهَبَ |
الفعل الذي لم يقع | فعل المستقبل | فعل الأمر، والفعل المضارع | اذْهَب، سَيَذْهَبُ |
الفعل الواقع ولم ينقطع | الفعل المستمر في الحال | الفعل المضارع | يُصلّي السّاعةَ |
الفعل المستمر في الماضي | كان يصلّي | ||
الفعل المستمر مِن الماضي | اللهُ يعلَمُ |
ويقول: «النَّوْعُ الثّالثُ مِن الفعل مِن حيثُ وقوعُه؛ أي الفعل الواقع ولم ينقطع، بمكن أن يُعبَّر عنه بـ(الفعل الدائم)، وهو الفعل المضارع المستمر في الحاضر، أو المستمر في الماضي، أو المستمر إلى الحاضر»[6].
ألا ترى أنَّك إذْ سُئلْتَ عن أبيك -مثلًا- فنظرتَ إليه فوجدته قائمًا يصلّي، فقلت: “أبي يصلّي” فهذا مضارع مستمر في الحال، وإذا ذكرت لأبيك عادة كانت مستمرةً منه في الماضي، قلت: “كانَ أبي يجمُعنا في مَنْزله كلَّ جمعة”، وإذا تحدَّثت عن صديقٍ تقدَّم لخِطْبةِ أختِك فقلت: “زيدٌ يصلّي ويصوم”، فأنت تقصد أنَّه رجلٌ متديِّنٌ محافظٌ على عباداتِه، صلاتُه وصومُه مستمرّانِ من الماضي إلى زمن التكلُّم.
أرأيت هذا العلمَ الواسع، والتقسيم المذهل، والتمثيل البارع، الذي كان من سيبويه -رحمه الله ورضي عنه- في عبارات موجزة تعدُّ أسطرها يدٌ واحدة! وهي على وجازتها فصيحة البيان، دقيقة العِلم، شاملة جامعة، إذا يقرؤها العقلُ المتأمِّلُ المتدبِّر، يُفجِّر العلمَ منها تفجيرًا! ولا أجد وصفًا يوفيها حقَّها خيرًا مِن قول أبي فِهْر -رحمه الله-: «فأنتَ تراهُ عِيانًا الآن، أنَّ سيبويهِ قد استطاع في جملةٍ واحدة قصيرةٍ لا تتجاوز سطرًا واحدًا، استطاع أن يُلِمَّ بجميع الأزمنة المقترنة بأمثلةِ الفعل، دون أن يُخِلَّ بشيء منها. فهي جملةٌ محكمة شديدةُ الإحكام، عجز النحاةُ مِن بعده أن يُلِمُّوا بها في حدودهم التي كتبوها عن حدِّ الفعل، فأيَّ رجُلٍ مُبِينٍ كان سيبويه!
وأقول أنا: كان سيبويه رحمه الله, حين كتب هذه العبارة وأمثالَها في كتابه، في قمَّة الصفاءِ، وفي ذِرْوَة اليَقَظَة، تَسْمُو به أنبلُ عاطفةٍ من الوفاءِ لشيخِه الخليل بن أحمد الفراهيدي، (المتوفى سنة 175, أو قبلها) والذي مات ولم يجْمع علمَه المستفيضَ في كتاب جامع.»[7]
وإنَّك إذا أردت مثل هذه العبارات التي لا يُستطاع مثلُها، فشيخ البلاغة -رحمه الله ورضي عنه- يرشدك إلى مواطنها، فإنَّك واجدٌ ضالَّتك منها في «الكتب المُبتدَأَة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنّا نجدُ أربابَها قَد سَبَقوا في فصولٍ مِنها إلى ضَرْبٍ مِنَ اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ، أعيا مَنْ بعدَهم أنْ يَطْلُبوا مِثْلَه، أو يجيئوا بِشبيهٍ له، فجعلوا لا يَزيدون على أنْ يحفظوا تلك الفصولَ على وجوهِها، ويُؤَدّوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي»[8].
وأتبع الشيخ -رحمه الله ورضي عنه- ذلك بكلام إمام النحاة -رحمه الله ورضي عنه-، وما هو عَنْ إمام النحاةِ ببعيد، فإنَّ عبدَ القاهر الجرجانيَّ مِن هؤلاء الذين وصفَهم، فهو نفسُه مِنْ أرباب الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة.
ثم أشار شيخ البلاغة إلى عبارة ثانية في كتاب سيبويه رحمه الله تضع الأصل الذي يقوم عليه التقديم والتأخير، قالها إمام النحاة في معرِض حديثه عن الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعول: «كأنّهم إنَّما يقدِّمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أغنى، وإن كانا جميعاً يُهِمّانِهم ويَعْنِيانهم»[9].
عبارةٌ خالدةً تمدُّ أياديها قرونًا حتّى تلقَّفها شيخ البلاغة ليستخرج منها علمًا واسعًا، ويجعلها في مدخلًا لقوله في التقديم والتأخير، وسبر أغوارِه وبيان أسراره، فيقول: «وقد وَقعَ في ظنونِ الناسِ أَنَّه يكفي أنْ يُقالَ: “إِنَّه قُدِّم للعناية، ولأنَّ ذكْرَه أَهمُّ”، مِنْ غير أن يُذْكَر، مِنْ أين كانت تلك العنايةُ؟ وبمَ كانَ أهمَّ؟ ولِتخيُّلهِم ذلك، قد صَغُر أمرُ “التقديمِ والتأخيرِ” في نفوسهم، وهَوَّنوا الخَطْبَ فيه، حتى إِنَّك لتَرى أكثرَهم يَرى تَتبُّعَه والنَّظَرَ فيه ضربًا مِن التكلُّف. ولم ترَ ظنًّا أَزرى على صاحبهِ مِن هذا وشبهه»[10].
هذا هو العالم الحق، وهذه هي القراءةُ الحقَّة، فالعبارة الرائعة لم تمرَّ على العقل الرائع مرورَ الكِرام، وإنَّما استخرج من العلمِ علمًا، ومنَ النحوِ معانِيَ وبلاغةً.
سرُّ الفاعل وعنونة الأبواب في كتاب سيبويه
بل تدبَّر عناوين الأبواب التي وضعها صاحب الكتاب -رحمه الله ورضي عنه- وضعًا فذًّا عبقريًّا، تندهشْ وتعجبْ، انظر إليه عند حديثه عن الف0639ل اللازم والفعل المتعدي يُسمّي الأبواب:
- «هذا باب الفاعل الذي لم يتعدَّه فعلُه إلى مفعول»[11]
- «هذا الفاعل الذي يَتعدّاه فعلُه إلى مفعول»[12]
- «هذا باب الفاعل الذي يَتعَّداهُ فعلُه إلى مفعولين…»[13].
فسألت أستاذَنا د. عبدَ الفتاح حبيب -حفظه الله وبارك في علمه- شارحَ كِتابَ سيبويهِ في الجامع الأزهر المبارك: لماذا يُسمّي سيبويه هذه الأبواب “بابَ الفاعل” الذي لم يتعدَّه فِعلُه والذي يتعدّاه فِعلُه؟ لِمَ لَمْ يقُلْ: “باب الفعل” الذي لا يتعدّى والذي يتعدّى؟ فأجابني بأنَّ إمام النُّحاة يريد أنَّ الفاعل هو قلبُ الجملةِ الفعليَّةِ النّابضُ، وهو رئيسها وعَمودها، ويُستشفُّ مِن كلامِ سيبويه أنَّ الفعل إنّما ينصب المفعولَ بمؤازرة الفاعل، فالفاعل معينٌ للفعل في نصب المفعول، فقد وجدتُه يُسمّي الفاعل: “النّاصِب”[14]، أليس هو المسنَد إليه؟! أليس هو المتحدَّث عنه؟! «فَالفِعْلُ حديثٌ عَنِ الفاعل»[15]. فاعجَب لعبقرية سيبويه في عنونتِه أبواب الكتابَ عنونةً تُنبئ عن عقلٍ وعى لغتنا الشريفة ونظامَها المُحْكَمَ وعيًا شاملًا محيطًا.
موسيقى التَّعليل النَّحويِّ عند إمام النُّحاة
وتدبَّر معي تعليلَه عدم جزم الأسماء في لغتنا، إذ يقول: «وليس في الأسماء جزم، لتمكُّنها وللحاق التنوين، فإذا ذهب التنوين لم يَجمعوا على الاسم ذهابَه وذهاب الحركة»[16]، إمام النحاة -رحمه الله- يخبرنا أنَّ الأسماء متمكِّنة في باب الاسميَّة، وأنَّ علامةَ هذا التمكُّن لحاق التنوين بها، إذ إنَّ التنوين ثقيل؛ لأنه نون زائدة على الاسم، تُزاد نطقًا لا رسمًا، والثقيل لا يُلحق بثقيل، إنَّ لساننا العربيَّ يجنح دائمًا إلى الخفَّة.
بيدَ أنَّ الاسمَ أحيانًا قد يثقُلُ لشبهٍ بينه وبين الفعل، ذلكم الاسم الثقيل المشبِه للفعل هو الاسم الممنوع مِنَ الصرف، ولأجل هذا الشبه من حيثُ الثقلُ، حُرِمَ التنوين، وعلامة جرِّه الفتحةُ إذا جُرِّد من أل والإضافة، ومِن عَدل لغتنا أنَّها حينئذٍ لم تجمع على هذا الاسم الثقيل ذهابَ التنوين، وذهاب الحركة بالجزم أيضًا، فالأسماء لا تُجْزم لذلك، هذا معنى قول صاحب الكتاب رحمه الله “فإذا ذهب التنوين لم يَجمعوا على الاسم ذهابَه وذهاب الحركة“، عجبًا للنحو العربيِّ يُعلِّمنا العدل، ويُنفِّرنا من الظلم والجَور!
ولا يخلو كلام إمام النحاة -رحمه الله- من موسيقيَّة خلّابة تحدوها سليقته الفصيحة، وكثرة ملازمته لكلام العرب، حتى صار عربيًّا مِنَ الأعراب، وجدتُّ ذلك في حديثه عن إضافة اسم الفاعل من العدد إلى ما هو منه، حيث يكون «يكونُ المرادُ بِه واحدًا مِن جماعةٍ»[17]، ومِن ذلك قوله تعالى: {لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ } [المائدة: 73]، «معناه أحدُ ثلاثة، وبعضُ ثلاثة»[18].
فإذا سألتَ: ما نقول إذا أردنا إضافة اسم الفاعل مِن العدد المركَّب إلى عدد من رتبتِه؟ أنقول مثلًا: “خامسَ عشَرَ خمسةَ عَشَرَ”؟ في ذلك أوجه، أخفُّها وآمنُها مِنَ اللَّبس ما أشار إليه سيبويه -رحمه الله- بقوله: «ومن قال: خامسُ خمسةٍ، قال: خامسُ خمسةَ عَشَرَ، وَحادي أَحَدَ عَشَرَ»[19]. وكان القياسُ أنْ يُقال: خامِسَ عَشَرَ خمسةَ عشرَ، «ولكنَّه حُذِفَ استخفافًا؛ لأنَّ ما أَبْقَوا دَلِيلٌ عَلى ما أَلْقَوا»[20]. باللهِ عليك ألا تجد من الحلاوة ما يملأ العقل، ومن اللذة ما يغمر الفؤاد وأنت تسمع هذا التعليل الموجَز العجيب: “لأنَّ ما أَبْقَوا دَلِيلٌ عَلى ما أَلْقَوا“، إنَّه جناسٌ خالٍ مِنَ التكلُّف خلوًّا ينطقُ بأنه جاء عفوَ خاطرٍ حيٍّ، وسليقةَ لسانٍ بليغ مُبينٍ، أَحَبَّ هذه اللغةَ الشريفة فتغنّى بها هذا التَّغنِّيَ الصادق، «ومن ها هنا كان أَحْلى تجنيس تسمَعُه وأعلاه، وأحقُّه بالحُسْن وأولاهُ، ما وقع مِن غير قصدٍ مِن المتكلِّم إلى اجتلابه، وتأهُّبٍ لطلبه، أو مَا هو -لحُسن مُلاءمته، وإنْ كان مطلوبًا- بهذه المنزلة وفي هذه الصورة»[21].
وإننا مع كل عبارةٍ عبقرية من كتاب سيبويه الخالد تأسر القلوب وتحرِّك العقول، نردِّدُ قول أبي جعفر النحاس -رحمه الله-: «وهذا من دقائق سيبويه -رحمه الله- ولطائفه التي لا يُلحق فيها»[22]
ولا يزال الباحثون يستخرجون مِن كتاب سيبويه -رحمه الله ورضي عنه- الدرر واللآلي، وجليل المعاني، يقول أبي الأستاذ السيد سيف النصر -حفظه الله-: «رحمَ اللهُ سيبويهِ الذي ما زال كتابُه نبعًا يتفجَّر علمًا، وما زال موضعَ أبحاث جامعيةٍ وغير جامعيةٍ، ورحم اللهُ علماءَنا جميعًا، الذين كان همُّهم العلمَ، وقد علَّمونا البحثَ والتحليلَ والتعليلَ والنقدَ القائم على قواعد منهجيَّة».
إلى مَحطَّتِنا الأَخيرَةِ: تاجُ البلاغَةِ وأَدَبُ العُلَماءِ
رأينا في هذه الجولة كيف نطقت عبارات سيبويهِ بعلمٍ غزير ودقَّة متناهية. ولكنَّ الرِّحلة لم تنتهِ بعدُ؛ فإذا كان سيبويهِ قد أرسى قواعد لغتنا السريَّةِ الثريَّة، فكيف استخرج منها عبد القاهر الجرجانيُّ نظريَّة النَّظم التي تُعدُّ تاج البلاغة؟ وكيف نتأدَّب مع هؤلاء الكِبار وننهل مِن علومهم؟ ترقَّبوا عرض ذلك كلِّه في الجزء الثَّالث والأخير من مقالنا الأسبوع المقبل إن شاء الله، حيثُ تمامُ المقصِد، وختامُ الرِّحلة.
—————————————————–
[1] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا 12 – 13
[2] انظر منهج كتاب سيبويه في التقويم النحوي 171 – 173
[3] يعني سيبويه
[4] المقتصد في شرح الإيضاح 1/533 -534
[5] منهج كتاب سيبويه في التقويم النحوي 173
[6] السابق، الصفحة نفسها
[7] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا 13 – 14
[8] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 604
[9] كتاب سيبويه 1/ 34
[10] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 108
[11] كتاب سيبويه 1/ 33
[12] السابق 1/ 34
[13] السابق 1/ 37
[15] شرح كتاب سيبويه 2/ 59
[16] كتاب سيبويه 1/ 14
[17] شرح المفصل لابن يعيش 4/ 31
[18] شرح المفصل لابن يعيش 4/ 31
[19] كتاب سيبويه 3/ 560
[20] كتاب سيبويه 3/ 560
[21] أسرار البلاغة ت محمود شاكر 11
[22] إعراب القرآن للنحاس 2/ 77
