دفاعًا عن سيبويه وعبدِ القاهر الجرجاني: هل حقًّا عبارات تراثنا غامضة؟ (الجزء الأوَّل)

دفاعًا عن سيبويهِ وعبدِ القاهر: هل حقًّا عبارات تراثنا غامضة؟ (الجزء الأوَّل)

جُرأة على التُّراث: دعوى الغموض والعُجمة

قرأت على وسائل التواصل منشورًا يتَّهِم سيبويهِ وعبدَ القاهرِ الجرجانيَّ -رحمهما الله ورضي عنهما- بغموض العبارة والتوائها، فعجبتُ لهذه الجرأة على إطلاق الأحكام على علماء كِرام شهدت لهما الأجيال المتعاقبة بالعبقرية والفصاحة، ثم ازددت عجبًا فوق عجب لما رأيتُ مَن يشارك المنشورَ مؤيِّدًا بل يضيف إليه أن ذلك ليس مستغربًا بل هو من المعروف لأنَّ سيبويهِ كان فارسيًّا!

وبدلًا من أن يتعرف الجيل الجديد إلى كِرام علمائنا، يُنَفَّرون منهم بمثل هذه المنشورات، ويتخرَّج المتخصِّصون في كليّات اللغة دون أن يقرؤوا عنهم كتابًا، أو تشنِّف آذانهم عبارة مما تركوا لنا من علمٍ غزير، إنَّ تطعيمَ المناهج بكلام هؤلاء العلماء، وإسماعَ الطلّاب عباراتِهم العلميَّةَ، وبيانَ ما فيها مِن عبقريَّة وسبق، لواجب على أساتذة اليومِ، ما أحوجَنا أن يرشِدَ الأستاذ طلّابَه إلى منبع العلوم!

القراءة الحقَّة: رحلة في عقول الكِبار

ليس الغرضُ الاطِّلاعَ على كتابٍ من كتب تراثِنا الخالد، وإنّما الغرضُ أن يعيش الطالب مع عقلٍ فذٍّ، ويصحبه في رحلة تدبُّرٍ وتفكير، ويتعرَّف كيف يحلِّل العالمُ المسائل، وكيف يستنبط وكيف يستشهد وكيف يقيس، وكيف يبني فكرة على فكرة، وينتقل من موضوع إلى آخر، وهذه الصحبة هي القراءة الحقَّة، التي تصنعُ عقلًّا حرًّا مفكِّرًا باحثًا.

في هذا المقال سنزور معًا كتابَ سيبويه وكتابَ دلائل الإعجاز، لنرى أهما صاحبا عبارة ملتوية غامضة غير واضحة؟ أطَمَسَتْ فارسيَّتُهما فصاحةَ عباراتِهما؟ لِيَكُنْ هذا المقال رحلةً نصحب فيها العقلين الرائعَيْن، عقلَ إمام النحاة، وعقلَ مؤسِّس علمِ البلاغة -رحمهما الله ورضي عنهما- نقرأ معًا شيئًا مما جادت عقولهما الفذَّة.

شهادة الجرجاني: عبقريَّة سيبويه التي لا يقع في الوهم أن يُستطاع مثلُها

من العجب العجاب أنِ اختار صاحب المنشور سيبويه وعبدَ القاهر -رحمهما الله ورضي عنهما- ليحكم على عباراتهما هذا الحكم الجائر، إذ إنّنا نجد عبد القاهر -رحمه الله- أشار إلى فصاحة عبارة سيبويه وعبقريَّتِها، بل إنَّ الجرجانيَّ -رحمه الله- يرتفع بعبارة سيبويه – رحمه الله- إلى منزلة عالية رفيعة، حيث لا يقع في الوهم أن يُؤتى بمثلها، اسمعه يقول في رسالته الشافية معقِّبًا على تعريف سيبويهِ الفعلَ في أول الكتابِ: «لا نعلم أحدًا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبًا منه، ولا يقع في الوهم أيضًا أنَّ ذلك يُستطاع»[1].

ولا بدَّ حينئذٍ أن تبحث عن تلك العبارة التي يشير إليها الشيخ -رحمه الله ورضي عنه- بالبنان، وتحلِّل مكوِّناتها، وتقيمَ موازنةً بينها وبين قولِ مَن جاء بعده، فهلمَّ بنا نشدُّ الرِّحالَ مِن دلائل الإعجاز إلى كتاب سيبويهِ -رحمه الله ورضي عنه- إذ يُعرِّف الفعل في الباب الأول من كتابه قائلًا: «‌وَأمّا ‌الفِعْلُ فأمثلةٌ أُخِذَتْ مِْن لَفْظِ أَحْداثِ الأَسْماءِ، وَبُنِيَتْ لِما مَضى، وَلِما يَكونُ وَلَمْ يَقَعْ، وَما هُوَ كائِنٌ لَمْ يَنْقَطِع»[2].

بهذا القدر من كلام إمام النحاةِ استشهد شيخ البلاغة -رحمه الله ورضي عنه-، ووازنه مع كلام شيخِهِ أبي عليٍّ الفارسيِّ -رحمه الله- في الإيضاح، إذ يقول: «أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم: “والفعل ينقسمُ بأقسام الزَّمان، ماضٍ وحاضرٌ ومستقبَلٌ”، وليس يخفى ضعفُ هذا في جَنْبِه وقُصورُهُ عَنْه»[3]، والشيخ -رحمه الله- إذ استشهد بعبارة سيبويهِ موجِزًا، واضعًا إيّاها قبالةَ عبارة أستاذِه صاحب الإيضاح الذي شرحه عبد القاهر -رحمه الله- شَرْحَيْنِ، إنَّما يدفعك دفعَ المعلِّم الخبير الذي يثير التساؤلات العمليَّة في عقل طالبِ العلم؛ لينطلق انطلاقَ الباحثِ الظمآنِ إلى كتابَ سيبويه -رحمه الله- يبحث عن العبارة ويقرؤها في سياقها، وقد كان سيبويهِ معلِّمًا، ونِعمَ المعلِّم المُخْلِصُ هو، إذ أتبع التعريف تمثيلًا شاملًا يزيده إيضاحًا وبيانًا، فقال: «فأمّا “بناءُ ما مضى”: فذَهَبَ وسَمِعَ ومَكُثَ وَحُمِدَ. وأمّا “بناءُ ما لم يَقَعْ”: فإنَّه قولُك آمِرًا: اذْهَبْ وَاقْتُلْ وَاضْرِبْ، وُمُخْبِرًا: يَقْتُلُ ويَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضْرَبُ. وكذلك “بناءُ ما لم يَنقطع وهو كائن” إذا أخبرتَ.

فهذه الأمثلةُ التي أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، ولها أبنية كثيرة ستُبَيَّن إنْ شاء الله.

والأحداثُ نحوَ: الضَّرْبِ والحَمْدِ وَالقَتْلِ»[4]

تحليل عبارة سيبويهِ: دقَّة الإيجاز وسعة المعنى

وهلمَّ بنا نحاولْ تحليلَ عبارة سيبويه، لعلنا نقف على بعض أسرار تفوُّقِها وتفرُّدها، فإنه -رحمه الله رضي عنه- أشار في أول تعريفهِ إلى مادَّة اشتقاق الفعل وهو المصدر، وهذا قوله: «فأمثلةٌ أُخِذَتْ مِْن لَفْظِ أَحْداثِ الأَسْماءِ»، ذلك أنَّ الفعل دالٌّ على حدثٍ الذي هو المصدر، ومثَّل للأحداث بالمصادر بقوله: «والأحداثُ نحوَ: الضَّرْبِ والحَمْدِ وَالقَتْلِ»، فالأفعال: “قرأ ويقرأ واقْرَأ” كلُّها دالٌّ على “القراءة”، بيْدَ أنَّها تختلف دلالاتُها الزمنيَّة، وقوله “أمثلة” أي أبنية، فالأفعال على اختلاف أبنيتها أُخذت من الأحداث، ثم يُبيِّن صاحب الكتاب -رحمه الله- أنَّ الفعل إلى جانب دلالته على حدث فهو دالٌّ بصيغته على زمن، وعبَّر عن ذلك بقوله: «وَبُنِيَتْ لِما مَضى، وَلِما يَكونُ وَلَمْ يَقَعْ، وَما هُوَ كائِنٌ لَمْ يَنْقَطِع»، وتأمَّل معي قولَه: «وبُنِيَت»، يريد أنَّ للفعل أبنيةً وقوالبَ وصِيَغًا ترتبط بأزمنة، ولعلَّه لم يقل هي ماضية وحاضرة مستقبلة؛ لأنه مدركٌ أنَّ البناء لما مضى قد يدل على أزمان عِدَّة، وقد ذكر صاحب معاني النحو للفعل الماضي تسعة عشر زمنًا[5]، منها الماضي المُنقطع، الذي وقع مرَة واحدة وانقطع، والماضي القريب الذي تُقرِّبه “قد” مِن الحال، وقد يدل الفعل الماضي على الإنشاء كأن تدعوَ لمريضٍ: “شفاك اللهُ”، فسيبويه -رحمه الله- لا ريبَ قد وعى الدلالات العربية الزمنيَّة، يدلُّك على ذلك أنَّ عنصر الزمن حاضر في كثير من تحليلاته للتراكيب العربية في أبواب مختلفة من الكتاب، فهو في حَدِّه الفعلَ دقيقٌ دقَّةً عاليةً لم يُفسدها إيجازُه، وهي على وجازتها نبعٌ ينهل منه من أراد دراسة الدلالات الزمنية للأفعال العربية. ثم إنَّه بيَّن هذه الأزمنة الشاملة لاستعمالات الأفعال العربيَّة، ومثَّل لكل واحدٍ منها بما يحويه مِن صيغ.

خاتمة: مَوعِدُنا المُرتقَبُ: غَوْصٌ في أَزمنةِ الفِعلِ وأَسرارِ «الكِتابِ»

لقد طُفنا في هذا الجزء حول الافتراءات التي رمت عبارات التُّراث بالغموض والتَّعقيد، ورأينا عِيانًا كيف انبرى إمام البلاغة مدافعًا عن إمام النُّحاة، شاهدًا له بعلوِّ الكعب في الفصاحة. إذا كانت هذه الشَّهادة دليلًا قاطعًا، فإنَّ وقوفنا على نصِّ سيبويهِ ذاته سيكون البرهان الأكبر جلاءً.

كيف قسَّم سيبويهِ أزمنة الفعل تقسيمًا لا يُستطاعُ مثلُه؟ وكيف نطقت تسمية أبوابه في «الكتاب» بأسرار العربيَّة المكنونة؟ ذلك ما سنغوص فيه في الجزء التَّالي من هذا المقال، الذي سيصدر في الأسبوع المقبل بمشيئة الله. فكونوا على الموعدِ.

[1] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 605

[2] كتاب سيبويه 1/ 12

[3] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 605

[4] كتاب سيبويه 1/ 12

[5] انظر معاني النحو 3/ 308 – 321

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0