مجمع اللغة العربية بالقاهرة د حسن الشافعي عنادل

مجمع اللغة العربية بالقاهرة… بين النقد العلمي والتجني المجحف

قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بتعريب "فيسبوك" ومشتقاته

نَشَرَ مجمع اللغة العربية بالقاهرة عَلَى (فُسْبُكَتِه) قَرارًا نَصُّهُ:

«قَرارُ الـمَجْمَعِ في تَعْريبِ “فيسبوك” وَمُشْتَقّاتِهِ:

  • الفُسْبُكُ: الفيسبوك.
  • فَسْبَكَ: نَشَرَ عَلَى الفُسْبُكِ.
  • الفُسْبُكِيُّ: الـمُدَوِّنُ عَلَى فُسْبُك. (ج) فَسابِكَة.
  • الفُسْبُكَةُ: صَفْحَةُ الفُسْبُكِ.

(صَدَرَ قَرارُ مَجْلِسِ الـمَجْمَعِ في الدَّوْرَةِ 80، عام 2014م، بِناءً عَلى مُذَكِّرَةٍ قَدَّمَها أ.د. إِبْراهِيم عَبْد المَجيد ضَوَّة -رحمه الله-)».

فَاعْتَرَضَ بَعْضُ الـمُتابِعِينَ اعْتِراضاتٍ مَليئَةً باتِّهاماتِ مُجْحِفَةٍ، خالِيَةٍ مِنَ البَيانِ العِلْمِيِّ الرَّصينِ!

وَلا يَعْجِبُني أَنْ يُقالَ عَنْ مَجْمَعِنا الغالي إِنَّهُ “مُؤَسَّسَةٌ تَهْدِمُ لُغَتَنا العَرَبِيَّةَ وَتَضُرُّ بِها”! فَإذا قُلْنا إنَّ مَجْمَعَنا العَريقَ مِنْ أَقْدَمِ الـمَجامِعِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلاَ يُنْكِرُ أَحَدٌ أَيادِيَهُ البَيْضاءَ عَلَى لُغَتِنا الشَّريفَةِ، قيلَ: “كانَ ذاكَ في الـماضي، وَما عادَ لَهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ في عَصْرِنا!”.

لا يَعْجِبُني هَذا الكَلامُ الذي يُرَدِّدُهُ بَعْضُ الأساتِذَةِ وَيُلَقِّنُونَهُ طُلّابَهُمْ دونَ سَنَدٍ، وَدونَ تَعْريفٍ لائقٍ بالـمَجْمَعِ وَعُلَمائِهِ وَلِجانِهِ وَإنْجازاتِهِ؛ لأنَّ في هَذا تنْفِيرًا مِنْ كُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْ مجمعِنا العَريق.

قَدْ يَصْدُرُ عَنِ الـمَجْمَعِ قَرَارٌ لاَ يَعْجِبُني، أَوْ إِجازَةُ أُسْلوبٍ أَرى غَيْرَهُ أَفْصَحَ، فَمَا الـمانِعُ عَنِ النَّقْدِ العِلْمِيِّ القَائِمِ عَلى البَحْثِ الجادِّ؟! بَدَلًا مِنْ “مَصْمَصَةِ الشِّفاهِ” حَسْرَةً وَالقَوْلِ بِأَنَّ الـمَجْمَعَ صارَ يَعْبَثُ باللُّغَةِ، وَقَراراتُهُ مَحْضُ هراءٍ! أَهَذِهِ أَلْفاظٌ تَصْدُرُ عَنْ بَاحِثٍ؟!

شهادةٌ وموقفٌ لا أَنْسَاه مع د. حسن الشافعي

إنَّ قَرارَ الـمَجْمَعِ هَذا صَدَرَ عامَ 2014م، وَأَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ فَضِيلَةُ أ.د. حسن الشافعي -بارَكَ اللَّهُ في عُمْرِهِ وَعِلْمِهِ- وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَهُوَ رَئيسُ اتِّحادِ الـمَجامِعِ اللُّغَوِيَّةِ، وَرَئيسُ مَجْمَعِنا الأَسْبَقُ، صاحِبُ العِلْمِ الوَفيرِ وَالهِمَّةِ الـماضِيَةِ.

أَذْكُرُ لِقائي الأوَّلَ مَعَهُ في مَجْمَعِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؛ شَابٌّ غِرٌّ ذَهَبَ يبْغي عَقْدَ لِقاءٍ مسجَّلٍ مَعَهُ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقيلَ لي إِنَّهُ مَشْغولٌ، بَيْدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكْتَبِهِ فَجْأَةً يُوَدِّعُ ضَيْفًا، وَوَجَدَني واقفًا حائرًا، فَبادَرَني التَّحِيَّةَ، وَتَعَرَّفَ إلَيَّ سَريعًا، ثُمَّ أَخَذَني مِنْ يَدي إلى داخِلِ مَكْتَبِهِ وَأَجْلَسَني إلى جِوارِهِ، وَالمَكْتَبُ عَاجٌّ بِعُلَماءِ مَجْمَعِنا، واسْتَأْذَنَني في دَقائقَ يُنْهي فِيها اجْتِماعَهُ ثُمَّ يَتَفَرَّغُ لِيَسْمَعَ مِنّي، وَطَلَبَ لي مَشْروبًا وَطَعامًا، ثُمَّ سَمِعَ مِنّي مُهْتَمًّا، وَحَدَّدَ مَوْعِدًا لِأُسَجِّلَ مَعَهُ، وَأَهْداني مَجْمُوعَةً مِنْ مُؤَلَّفاتِهِ.

سَأَلَني حينَها: “مَنْ عَلَّمَكَ العَرَبِيَّةَ؟” وَأَخْبَرَني عَنْ حِرْصِهِ أَنْ يَسْأَلَ هَذا السُّؤالَ لِلشَّبابِ الذينَ يُتْقِنُونَ لُغَتَنا الشَّريفَةَ، فَأَعْجَبَتْهُ إجابَتِي أَنَّ أبي هُوَ مُعَلِّمي، إذْ إنَّ كَثيرينَ يذكرونَ أساتذتَهم، فَأَهْداني نُسَخًا ثَانِيَةً مِنْ مُؤَلَّفاتِهِ لأبي!

وَقَدْ حَرَصَ -وَهُوَ رَئيسُ الـمَجْمَعِ- عَلى دَعْوَتِنا رَسْمِيًّا إِلَى بَعْضِ لِقَاءاتِ الـمَجْمَعِ وَنَدَواتِهِ، وَكَرَّمَنا تَشْجيعًا لِجُهُودِنا في خِدْمَةِ لُغَتِنا، بَلْ كانَ يَقولُ لِي: “أَنْتُمْ أَصْحابُ الجُهْدِ الحَقِيقِيِّ في خِدْمَةِ اللُّغَةِ، أَمّا نَحْنُ فَمُوَظَّفونَ رَسْمِيّونَ!”، وَكَتَبَ عَنْ «جَماعَةِ العَنادِلِ» في مَقالٍ لَهُ في مَجَلَّةِ الـمَجْمَعِ، ثُمَّ اسْتَضَافَنا الـمَجْمَعُ تَحْتَ رِعايَتِهِ مُتَحَدِّثِينَ عَنْ تَجْرِبَتِنا بِوَصْفِنا مَنَصَّةً تَخْدُمُ لُغَتَنا العَرَبِيَّةَ عَلى وَسائلِ التَّواصُلِ.

🎬 تَسْتَطيعُونَ مُشَاهَدَةَ مُداخَلَتِنا وَكَلامَ شَيْخِنَا العَلّامَةِ مُعَقِّبًا عَلَى “يوتيوب”:

وَلَقيتُ شَيْخَنا الفاضِلَ عَلى مَدارِ سَنَوَاتٍ مرّاتٍ عِديدَة، فَكانَ يَلْقانِي لِقاءَهُ صَديقًا حَميمًا، وَيَقولُ لي: “إحنا أصحاب من زمان!” وَيَهْتَمُّ أَنْ يَسْمَعَ مِنّي، وَأَنْ يحْكِيَ لي عنْ عَمَلِهِ وَإنْجازِهِ، وَأَذْكُرُ أَنَّهُ كانَ فَخُورًا -حفظه الله- بِصُدورِ تَحْقيقِهِ كِتابَ أَبي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ «اللُّمَع»، وَأَوْصاني بأَنْ أَقْرَأَ مُقَدِّمَةَ التَّحْقيقِ التي بَلَغَتْ زُهاءَ مِئَةِ صَفْحَةٍ.

أقولُ هَذَا لأَنَّ د. حسن الشافعي هُوَ نَمُوذَجُ العالِمِ العُضْوِ في مَجْمَعِنا الغَالي؛ وفي الـمَجْمَعِ عُلَماءُ كِرامٌ مِثْل د. عَبْد الحَميد مَدْكور، وَد. مَحْمود الرَّبيعي، وَد. مُحَمَّد سَليم العَوّا، وَغَيْرهم مِنْ أفاضِلِ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَتَّهم مثلَ هَؤلاءِ بِأَنَّهُمْ يَعْبَثونَ باللُّغَةِ وَيَهْدِمونَها ولا يَخْدُمونَها؟!

أين يقف المجمع اليوم؟

لا يَضيرُ الـمَجْمَعَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ أَحْيانًا ما يُخالَفُ فيهِ، أَوْ يَعْرِضَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ بَحْثًا تَرْفُضُهُ الأَوْساطُ العِلْمِيَّةُ، فَلا يَعْني ذَلِكَ أَنْ نَرْمِيَ كُلَّ مَا يَصْدُرُ عَنْ هَذِهِ الـمُؤَسَّسَةِ العَريقَةِ في عُرْضِ البَحْرِ! بَلِ الواجِبُ عَلَيْنا أَنْ نَقِفَ وَرَاءَ مَجْمَعِنا، وَأَنْ نَهْتَمَّ بِأَنْ يَتَقَلَّدَ مَكانَهُ اللَّائِقَ في حَيَاتِنا الرَّسْمِيَّةِ وَالـمُجْتَمَعِيَّةِ، فَنَحْنُ نُنادِي مَعَ الشّاعِرِ الكَبيرِ فاروق جُويدة: “الـمَجْمَعُ اللُّغَوِيُّ في خَطَر!”؛ إِذْ يَقُولُ مقاله في “الأهرام”: «إنَّ المَجْمَعَ وَهُوَ جُزْءٌ عَزيزٌ مِنْ تُراثِ مِصْرَ يُوَاجِهُ أَزْمَةً خَطيرَةً تَتَطَلَّبُ حَلًّا سَريعًا».

🔗 رَابِطُ الـمَقَالِ: https://gate.ahram.org.eg/daily/News/1023054.aspx

المعجم التاريخي للغة العربية.. إنْجازُ العَصْرِ:

أَسَمِعْتَ مِنْ قَبْلُ عَنِ المعجم التاريخي للغة العربية؟

إنَّهُ مُعْجَمٌ يُوَثِّقُ تارِيخَ الأَلْفاظِ العَرَبِيَّةِ وَدلالاتِها عَبْرَ خَمْسَةِ عُصورٍ —مِنْ نُقوشِ ما قَبْلَ الإسْلامِ إلى الاسْتِعْمالِ الحَديثِ— مُرَتَّبٌ عَلى الجُذورِ، مُعَزَّزٌ بالشَّواهِدِ مِنْ مَصادِرِها الأصْلِيَّةِ.

🌐 مَوْقِعُهُ: https://almojam.org/

هَذا الـمُعْجَمُ الرّائِعُ إِنْجازٌ كَبيرٌ يَنبَغي لِكُلِّ مُنْتَمٍ إلى لِسانِنا العَرَبِيِّ أَنْ يَحْتَفِيَ بِهِ، وَقَدِ اشْتَرَكَتْ في هَذا الإنْجازِ الكَبيرِ الـمَجامِعُ اللُّغَوِيَّةُ العَرَبِيَّةُ، وَعَلَى رَأْسِها الـمَجْمَعُ المِصْرِيُّ، بِرِعايَةٍ كَريمَةٍ فاعِلَةٍ مِنْ صاحِبِ السُّمُوِّ د. سُلْطان القاسمي -حَفِظَهُ اللَّهُ- حَاكِم الشّارِقَةِ؛ فَقَدْ كَانَ حَجَرَ أَساسٍ في إتْمامِ هَذا الإنْجازِ وَالتَّغَلُّبِ عَلى كُلِّ عائقٍ عَرَضَ في طَريقِهِ. أَلَيْسَ هَذا الـمُعْجَمُ مِمّا يُحْسَبُ لِـمَجْمَعِنا الغالي الذي يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ لاَ يَخْدُمُ لُغَتَنا؟!

إنَّ مَجْمَعَنا لاَ يُجيزُ كُلَّ لَفْظٍ وَلاَ كُلَّ أُسْلوبٍ تساهلًا وتهاونًا كَما يُعَمِّمُ مَنْ يَكيلُ الاتِّهامَاتِ لِلـمَجْمَعِ كُلِّهِ؛ فَإنَّ قَراراتِ الـمَجْمَعِ الصَّادِرَةَ عَنْ لَجْنَةِ الأَلْفاظِ وَالأَساليبِ تُنْشَرُ مَطْبُوعَةً، وَعِنْدي مِنْ تِلْكَ القَراراتِ كِتابٌ في آخِرهِ قِسْمٌ لِـما لَمْ يُقِرَّهُ الـمَجْمَعُ مِنْ أَلْفاظٍ وَأَساليبَ، وَحَرِيٌّ بِمَنْ يَتَّهِمُ الـمَجْمَعَ أَنْ يَزورَهُ وَيَطَّلِعَ عَلى مَطْبُوعاتِهِ وَقَراراتِهِ إذا أَرادَ نَقْدَها وَالتَّعْليقَ عَلَيْها.

وَلا بُدَّ لَكَ أَيُّها القارِئُ الكَرِيمُ أَنْ تَتَعَرَّفَ أَسَالِيبَ لُغَتِنا في اسْتِحْداثِ الأَلْفاظِ الـمُعَبِّرَةِ عَنْ مَظاهِرِ حَضَارَتِنا الحَديثَةِ، وَقَدْ عَرَضْنا لَها عرضًا موجزًا في هَذِهِ الـمَرْئِيَّةِ عَلى قَناةِ «عَنَادِل» على “يوتيوب”:

أنا أُحِبُّ مَجْمَعَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بالقاهِرَةِ، وَأُجِلُّهُ وَأُكْبِرُ عُلَماءَهُ الكِرَامَ، وَأَعْرِفُ لَهُ فَضْلَهُ، وَأُريدُ لَهُ أَنْ يَعْلُوَ إلى الـمَكانَةِ التي يَسْتَحِقُّ، وَأَنْ تُذَلَّلَ أَمامَهُ العَقَباتُ لِيَعْظُمَ إنْتاجُهُ العِلْمِيُّ، وَيُقَدَّمَ إلى جيلِ اليَوْمِ تَقْديمًا يُواكِبُ عَصْرَ التِّقْنِيَّةِ وَالذَّكاءِ الصناعِيِّ، وَلا أَتَمَنّى مُطْلَقًا أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ نَفْقِدُ فِيهِ مَجْمَعَنا العَريقَ!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

0