مِسْكُ الخِتامِ: مِن دِقَّةِ النَّحْوِ إِلى أَسرارِ البَلاغَةِ
ظَعنّا في الجزأَيْن السَّابقَيْن في رحلةٍ ممتعة مع كتاب سيبويهِ -رحمه الله-، ورأينا عيانًا كيف نطقت عباراته بالفصاحة، ودقَّة التَّقسيم، وروعة التَّعليل. وفي هذا الجزء الأخير، نحطُّ الرِّحال في رحاب رجل الفصاحة وإمام البلاغة: عبد القاهر الجرجانيِّ؛ لنتأمَّل «نظريَّة النَّظم»، ولنقف على أدب العلماء الذي ضيَّعه بعض المتعجِّلين.
اقرأ الجزأ الأول من هنا
اقرأ الجزأ الثاني من هنا
نظريَّة النَّظم: السِّرُّ الكامن خلف معاني النَّحو
أمّا الشيخ عبد القاهر فهور رجلُ الفصاحة يدعوها فتجيبه، وإمام البلاغة يأمرُها فتطيعه، صاحب نظريَّة النظم، التي أبان عنها أبلغ إبانة إذ يقول: «”النظم” هو توخي معاني النحو، وبيان ذلك:
اعلم أنْ ليسَ “النظمُ” إِلا أنْ تضعَ كلامكَ الوضعَ الذي يَقتضيهِ “علمُ النحو”، وتعملَ على قوانينهِ وأُصولِه، وتعرفَ مناهجَه التي نُهِجتْ فلا تزيغَ عنها، وتحفَظُ الرُّسومَ التي رُسمتْ لك، فلا تُخِلَّ بشيءٍ منها.
وذلك أنَّا لا نَعلم شيئًا يبتغيهِ الناظمُ بنَظْمه غيرَ أنَ ينظرَ في وُجوهِ كلَّ بابٍ وفُروقهِ، فينظرَ في “الخبرِ” إِلى الوجوهِ التي تَراها في قولك: “زيدٌ منطلقٌ” و”زيدٌ يَنطلِقُ”، و”ينطلِقُ زيدٌ” و”منطلِقٌ زيدٌ”، و”زيدٌ المُنطلِقُ” و”المنطلِقُ زيدٌ” و”زيدٌ هوَ المنطلقُ”، وزيدٌ هو منطلِقٌ”… فيَعرفُ لكلِّ من ذلك موضِعَه، ويجيءُ به حيثُ ينبغي له»[1].
إنَّ هذه التراكيب جميعًا تشترك في إثباتها الانطلاق لزيد، لكنَّها لا شكَّ تتباين في معانٍ أخرى عميقة، يُحدثها التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والفصل بالضمير، والاسمية والفعلية، ومُنشئ الكلام الفصيح البليغ هو الذي يُحسن اختيار التركيب المناسب لكلِّ سياق، ويراعي مُقتضى الحال، أمّا مَنْ يسوّي بين هذه التراكيب تسوية مطلقة فهو مِمَنْ يجعلون «لِلمعنى في قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93]، مزيةً على أن يقال: “اشتدَّتْ محبتُهم للعجْلِ وغلَبَتْ على قلوبهم”، وأن تكونَ صورةُ المعنى في قولِه عزَّ وجل: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]، صورتَه في قولِ من يقولُ: “وشابَ رأسي كله” “وابيضَّ رأْسي كلُّه” وحتى لا يَرَوْا فرْقًا بين قولِه تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16]، وبينَ: “فما رَبِحوا في تجارَتِهم” وحتى يَرْتكبوا جميعَ ما أرَيْناك الشَّناعةَ فيه»[2]
ومَن كان حالُه كذلك فأنّى يحكم على كلام بفصاحة أو عُجمة! بل عجبًا تراه يحكم على كلامِ كرام العلماء بالالتواء وعدم الإبانة، فاعلم أنَّه «لا يَجْهَلُ المزيَّةَ فيه إلّا عديمُ الحِسِّ ميِّتُ النَّفْس، وإلّا مَنْ لا يُكَلَّم، لأنَّه مِن مبادئ المعرفةِ التي مَن عَدِمَها لم يَكنْ للكلام معه معنى»[3].
دقَّة الحذف وبلاغة الصَّمت
ما سمعتُ عن الحذف في لغتنا الشريفة -وهي لغة يكثر فيها الحذف- مثلَ مقالِ شيخ البلاغة -رحمه الله-: «هو بابٌ دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخَذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإنَّكَ ترى به تَرْكَ الذِّكْر، أَفْصَحَ مِن الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإِفادة، وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إِذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لَمْ تُبِن»[4]، ثمَّ يشرع بعد ذلك يُمثِّل ويُبيِّن ويَشرح.
وتراه -رحمه الله- يستشهدٌ بأبيات استشهد بها سيبويهِ في كتابه فيقول: «أنْشَدَ صاحبُ الكتاب»[5]، ولا يقول: “قال الشاعر”، كأنَّه يريد أن يقول: هذا شاهدٌ من شواهد كتاب إمام النحاة، فهو بضمانه من أعلى الشواهد لغةً وأفصحها بيانًا.
دواء الكِبار سمٌّ للصِّغار: أهمّيَّة التَّلقّي عن الشُّيوخ
اعلم أنه لا يمكن تفسير حكمِ من يحكم على سيبويه وعبد القاهر -رحمهما الله ورضي عنهما- بعدم الفصاحة إلا بعزوها إلى الجهل المدقع، وأنَّ القائل لم يقرأ كتابَ سيبويه ولا كتابَيْ عبدِ القاهر -رحمهما الله ورضي عنهما-، بل لعله لم يتمَّ منهما أسطرًا، لكنَّه ربما حاول أن يتصفَّح وحدَه هذه الكتب التي يسمع أسماءَها وأسماء مؤلفيها في كل مِصْرٍ وعَصْرٍ، وهو لا يدري أنَّ دواء الكبار سمٌّ للصِّغار، نعم، الدواء الذي يشفي البالغين قد يُمرض الصغار، فأنّى لعقلٍ لم يعرف من علوم اللغة التي هي بحر محيط إلّا سطحًا رقيقًا، أن يقذف بنفسه في لُجة البحر يودُّ أنْ يستخرج اللآلي والدُّرر! إنه لا مفرَّ حينئذٌ غارقٌ. ومحالٌ إتقانُ العَوْمِ دون مدرِّب، وكذا لا تُنال العلومُ دونَ شيخٍ ومُعلِّم، وإنْ كان الطالبُ ذا عقلٍ، يقول أبو حيانَ التوحيديُّ:
يَظُنُّ الغُمْرُ أَنَّ الكُتْبَ تُجْدي ** أَخا ذِهْنٍ لإدْراكِ العُلومِ
وَما يَدْري الجَهولُ بِأَنَّ فيها ** غَوامِضَ حَيَّرَتْ عَقْلَ الحَليمِ
إِذا رُمْتَ العُلومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ** ضَلَلْتَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقيمِ
فهذه الكتب مبادئ العلوم، كتاب سيبويهِ هو أول كتاب جمع قواعد لغتنا العربية جمعًا واعيًا مرتّبًا عميقًا، وكل ما كُتب بعده اغترف منه وبنى عليه، سواءٌ أوافقه أم خالَفه! ألا ترى أنَّ الكسائيَّ -رحمه الله- مؤسِّسَ المدرسة الكوفية المنافسة لمدرسة البصرة النحوية التي إمامُها سيبويه، قرأ الكتاب على الأخفش الأوسط تلميذ سيبويه، فقد «ذكر ابن مجاهد قال: حدَّثنا ثعلب عن سلمة عن الأخفش قال: جاءنا الكسائيِّ إلى البصرة، فسألني أن أقرأ عليه كتاب سيبويهِ، ففعلت، فوجه إليَّ خمسين دينارًا. قال: وكان الأخفش يُعلِّم ولدَ الكسائيِّ»[6].
أدب الخلاف وتواضع العلماء
رحم الله هؤلاء العلماءَ الكِرامَ الذي لم يمنعهم الخِلاف عن رفع العلم وتقدير العالم، بل انظر كيف كان العالم يُربّي عقولًا حرَّة مفكِّرة متدبِّرة، فالتلميذ يخالف أستاذه مع إجلاله، فالأخفش -رحمه الله- وافق الكوفيين في مسائل وخالف شيخَه سيبويه -رحمه الله-، والأخفش هو الذي نشر كتاب سيبويهِ وأذاعَه، «وذلك أنَّ كتاب سيبويهِ لا يُعْلَمُ أحدٌ قرأه على سيبويهِ، ولا قرأَه عليه سيبويهِ؛ ولكنَّه لمّا مات قُرِئ على الأخفش فشرحه وبيَّنه»[7].
واسمع الأخفش إذ يقول: «كان سيبويهِ إذا وضع شيئًا مِن كتابه عرضه عليَّ وهو يرى أنّي أعلم منه -وكانَ أعلمَ منّي- وأنا اليومَ أعلمُ منه»[8]. وهذا يدلُّك على تواضع سيبويهِ -رحمه الله ورضي عنه- وكيف كان يربّي في تلميذه العقل الناقد لا تمنعه أستاذيَّتُه أن يُدارس تلميذَه، حتى يكبُر التلميذ بعدُ علمًا فيخالف بعض رأي شيخه في أدب.
وقد كان هذا دأب سيبويهِ -رحمه الله ورضي عنه- مع شيوخِه، إذ احتفى -رحمه الله- بأساتذته في كتابه الخالد، يروي آراءَهم وينْسِب إليهم في إخلاصٍ أقوالَهم، وعلى رأسهم الخليل الفراهيدي رحمه الله، الذي روى عنه في الكتاب أكثر من خمسِ مئةِ مرَّة، فإذا أراد أن يذكرَ رأيًا مخالفًا بعد ذكره قولَ أستاذه الخليل لم يذكر اسمَه إلى جانب اسمِ أستاذِه إجلالًا وأدبًا، «قال أبو جعفر: وسمعتُ أبا إسحاق يقول: إذا قال سيبويهِ بعد قول الخليل: «وقال غيرُه» فإِنَّما يعنى نَفْسَه؛ لأنَّه أجلَّ الخليلَ عنْ أنْ يَذْكُرَ نفسَه معه»[9].
ولن تعجبَ إذا عرفتَ أنَّ لسيبويه التلميذِ في قلب الخليل الأستاذِ منزلةً ليست لغيره؛ «قال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ. قال أبو عمرو المخزومي -وكان كثير المجالسة للخليل-: ما سمعت الخليل يقولها إلا لسيبويه»[10].
لا جرمَ إذنْ أن يكون وفاءُ سيبويهِ لأستاذِه مضرِبَ المَثَل، اسمعه يسْتَحِثُّ زميلَه عليِّ بن نصر الجَهْضَمِيِّ على إحياء علم شيخِهما كما يروي عليٌّ: «قال لي سيبويه حين أراد أن يضع كتابه: تعال حتى نتعاونَ على إحياء علم الخليل»[11]، وكان إمام النحاة أكبر همَّةً، يُحرِّكه حبُّ القرآن ولسانِه، وحبٌّ للعلمِ ولِأمَّته، «فانبَرى بكُلِّ ما في قلبه مِن الدِّيانَةِ والأمانةِ والحبِّ والإخلاص، مُستقِلاًّ وحدَهُ بالعِبْءِ, وحلَّق وحدَه كالعُقاب في جوِّ العربية، يُجلِّي بعينَيْه النافذِتَيْن كلَّ علم الخليل وغيرِ الخليلِ، وكلَّ أساليب العربية، وينقضُّ على المعاني بضبطٍ وإحكامٍ كإحكام العُقَاب الصَّيود, بكُلِّ ما في قلبه مِن القُدْرة على الإبانة والقُدْرة على الاستبانة.
وهذا ظاهرٌ جليٌّ لِمَنْ يقرأ كتابَ سيبويه بتذوُّقٍ وتأمُّلٍ وأناةٍ، ولكن أين هذا القارئ! فمِنْ أجل ذلك كان كتاب سيبويه بحرًا زخّارًا، لم يبلُغ مبلغَهُ في الجودةِ والبيان عن معاني النحوِ نحويٌّ واحدٌ مِمَّن جاء بعدهُ وعبَّ مِن عُبَابه»[12].
فكن أنتَ ذلك القارئ المتأمِّل المتدبِّر المُتَفَكِّر ذا الذوق العالي، إن لم تنشر الضياء، فلا تطمس الأنوار الساطعة، وليتَ شعري، كيف يُتَّهم إمامان من أئمة اللسان العربي بعدم الإبانة، وأولهما يعلِّمنا لسان العرب ويعلُّمنا الفصاحة، وكيف نميِّز الصواب من الخطأ، والثاني يُفشي لنا أسرارَ البلاغة، ويعلِّمُنا ما يفضل به كلام على كلام، وكيف يعلو كلام الله جلَّ وتقدَّس فوق كلِّ كلام، فإنهُ «يَنتهي إلى حيثُ تَنْقطِعُ الأطماعُ، وتُحْسَرُ الظنونُ، وتَسقُطُ القُوى، وتستوي الأقدام في العجز»[13].
[1] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 81 – 82
[2] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 427
[3] السابق 1/ 430
[4] السابق 1/ 146
[5] السابق، الصفحة نفسها
[6] إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 40
[7] إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 39
[8] إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 350
[9] كتاب سيبويه 1/ 7
[10] طبقات النحويين واللغويين 67
[11] كتاب سيبويه 1/ 8
[12] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا 14
[13] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 35
