مقدمة: رحلة في رحاب الجمال البياني
الحمد لله الذي اصطفى لساننا العربي على سائر الألسنة، اصفاه لسانًا للقرآن العظيم، فكان معجزًا في البيان، واصطفاه لسانًا للنبي العدنان ﷺ، فكان أفصح الناطقين قاطبة، واصطفاه وعاءً لشريعة الإسلام، فعمَّ بها العدل والإحسان، أمّا بعدُ:
قال ربنا عز وجل: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]
ولعلّك تسأل ونحن نتعرض لإعراب هذه الآية الكريمة، ما يمكن أن يكون في جملة قرآنية تركَّبتْ من كلمتين اثنتَين؟ مَن يعشْ مع هذه الآية الكريمة، في سورة الإخلاص التي قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه إنها تعدل ثُلثَ القرآن، يجدْ من أوجه البلاغة ما تدهش له القلوب، ومن خفايا المعاني العالية ما يملأ العقول والأفئدة نورًا يهتف بأن هذا القرآن من عند الله، وأنَّ لساننا العربيَّ لسان شريفٌ شرَّفه الله باصطفائه لسانًا للرسالة السماوية الخاتمة، التي تحمل الخير والخلاص والنجاة للإنسان إلى آخر الزمان، فاشْحَذْ عَقلَك معي، وأعرْني فؤادَك وسمعَك، وهَلُمَّ بنا نركبْ مركبَ المتأملين المتدبرين.
أولاً: الحسُّ البياني والقدرة على فهم أسرار الكلام
من المعاني الرائقة التي تعلمتها من شيخ البلاغيين الدكتور محمد أبو موسى حفظه الله في درسه بالأزهر الشريف إذْ يشرح لنا شاهدًا في كتاب دلائل الإعجاز هو قول أبي نواس:
«يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا *** إِذا ما زِدْتَه نَظَرًا»[1]
إنَّ هذا شأنُ العلم يزيدك وجهه حسنًا إذا ما زدته نظرًا، أمّا الآية الكريمة التي بين أيدينا: فيمكن أن نقول يزيدك وجهها حسنًا على حسنٍ ونورًا على نور، واعلم أنه ليست هناك قاعدة محفوظة تدلُّكَ على خفايا المعاني، بل يدلُّك عليها الحسُّ البيانيّ، لا تسمع لمن يقول لا موهبةَ لديَّ، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣-٤] ، إنَّ الرحمن جلَّ علاه لم يعلِّم الإنسان معانيَ التقديم والتأخير والتعريف والتنكير، وإنما خلق فيه القدرةَ على فهم أسرار الكلام، عربيًّا كان أم عَجَميًّا، مؤمنًا كان أم كافرًا، فاستقرِ وتصفَّحْ وتتبَّعْ، ثم ألطف النظر وأكثر التدبُّر، تصِل إلى خفايا المعاني.
ثانيًا: الصمد في لغة العرب ومعجماتهم
ولنبدأ رحلتنا من المعجمات العربية، حيث ذكر صاحب مقاييس اللغة: «الصَّمْدُ: الْقَصْدُ. يُقَالُ: صَمَدْتُهُ صَمْدًا، وَفُلَانٌ مُصَمَّدٌ، إِذَا كَانَ سَيِّدًا يُقْصَدُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ، وَصَمَدٌ أَيْضًا. وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الصَّمَدُ؛ لِأَنَّهُ يَصْمِدُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ بِالدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ»[2]
وأورد ابن منظور أكثر من معنًى لكلمة (الصمد)، فقال:
«والصَّمَد، بِالتَّحْرِيكِ: السَّيِّدُ المُطاع الَّذِي لَا يُقْضى دُونَهُ أَمر، وَقِيلَ: الَّذِي يُصْمَدُ إِليه فِي الْحَوَائِجِ أَي يُقْصَدُ؛ قَالَ:
- أَلا بَكَّرَ النَّاعي بخَيْرَيْ بَني أَسَدْ ** بعَمْرو بنِ مَسْعُود، وبالسَّيد الصَّمَدْ
… وأَنشد الجوهري:
عَلَوْتُه بِحُسامٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ *** خُذْها حُذَيفُ، فأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
- والصَّمَد: مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لأَنه أُصْمِدَتْ إِليه الأُمور فَلَمْ يَقْضِ فِيهَا غيره
- وَقِيلَ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤدَدُه
- وَقِيلَ: الصَّمَدُ الدائم الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلقه
وَقِيلَ: الصَّمَدُ الَّذِي صَمَد إِليه كُلُّ شَيْءٍ أَي الَّذِي خَلق الأَشياءَ كُلَّهَا لَا يَسْتَغْني عَنْهُ شَيْءٌ وَكُلُّهَا دَالٌّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ»[3].
فالصمد وصفٌ استعمله الشعراء في وصف رجال، لكنَّه في حق الله تعالى كمال مطلق، كما يوصف الإنسان بالسمع والبصر، والله تعالى ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]، فالسمع البصر في الله كمالٌ مطلق.
ثالثًا: الإعراب فرع المعنى: تحليل الجملة الاسمية
ومن شاطئ المعجمات الخلَّاب، فلنُبْحر معًا في بحر النحو الرائع.
اعلم أن الإعرابَ فرعُ المعنى، فالمعنى المقصود أصلٌ، والإعراب فرع عنه، ولسان القرآن هو اللسان العالي، فإن زحزت كلمة عن موضعها، أو اخْتير لفظ مكان آخر، أو نُكِّر معرَّفٌ أو عُرِّف منكَّر، لفقد هذا البيان العالي بلاغته، فإن المعاني -كما يُنسب إلى الجاحظ- ملقاة على قارعة الطريق، والإعجاز القرآني في نظم هذه الألفاظ والأساليب نظمًا أفاد معانيَ فوق قدرةِ البشر.
إن التحليل النّحْوي يبدأ بمعرفة نوع الجملة، فهذه جملة اسمية تكوَّنت من اسمَيْنِ، فنبحث عن المبتدأ والخبر، فالمبتدأ هو المتحدَّث عنه، تريد أن تحكم عليه حكمًا أو تخبر عنه خبرًا، فإذا سألتك عن المبتدأ في الآية الكريمة، قلت هو لفظ الجلالة لا شكَّ، فإذا سألتك: ما شأنه؟ ما خبَرُه؟ فتجيب: الصمدُ، لكنَّك قد تتساءل: كيف يكون “الصمد” خبرًا وهو معرَّف بأل؟ أليس “الصمد” المعرَّف بأل نعتًا؟ ولعلِّ مُعرِبًا يسأل: اللهُ الصمدُ ما شأنه؟ ما خبرهُ؟
رابعاً: سرُّ تعريف الخبر في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ودلالة القصر
قلنا إنَّ المبتدأ في الجملة الاسمية هو المتحدَّث عنه أريد أن أحكمَ عليه حكمًا، هذا الحكم هو الخبر، وإنَّ الأصل في المبتدأ أن يكون معرفةً؛ لأنك لا تحكم على ما لا تعرف، والأصل في الخبر أن يكون نكرةً، يعني أنْ يُقال: اللهُ صمدٌ.
فاعلم أنَّك إذا خرجت عن الأصل في تنكير الخبر فعرَّفته، فإنَّ هذا التعريف لا شكَّ يضيفُ إلى المعنى معانٍ، فقولك: سالمٌ مجتهدٌ، إخبارٌ عن سالمٌ أنه مجتهد، ففي أيِّ سياقٍ قد يُقال: سالمٌ المجتهدُ، وتعرب كلمة (المجتهد) خبرًا؟ في نحو أن يقع بينك وبين زميلك حوارٌ يقول لك فيه: سعيد مجتهد وسعد مجتهد وخالد مجتهد، فترد قائلًا: لا لا، سالمٌ المجتهدُ، وأنت تقصد سالمٌ المجتهدُ حقًّا، سالمٌ كَمُل فيه الاجتهاد، وقد يكون القصر حقيقةً أو مبالغةً، فمن القصر حقيقةً قوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] ، وقد أشار عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز إلى قصر المبالغة فقال: «أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنَى على المُخْبَر عنه لقَصْدِك المبالغةَ، وذلك قولُك: “زيدٌ هو الجوادُ” و”عمرو هو الشجاعُ”، تريدُ أنه الكاملُ إلَاّ أنكَ تُخْرجُ الكلامَ في صورةٍ تُوهم أنَّ الجُودَ أو الشجاعةَ لم تُوجَدْ إلا فيه، وذلك لأنك لم تَعْتَدَّ بما كان مِنْ غَيْره، لقُصوره عن أن يَبْلغَ الكمالَ»[4]
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فالصمدية في حقِّ الله كمالٌ، هو الصمدُ حقًّا الملجوء إليه في كل حال، «وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ لِإِبْطَالِ مَا تَعَوَّدَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ دُعَائِهِمْ أَصْنَامَهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ وَالْفَزَعِ إِلَيْهَا فِي نَوَائِبِهِمْ حَتَّى نَسُوا اللَّهَ»[5]، والمؤمن لا يلجأ إلا إلى ربه الواحد الأحد الفرد الصمد، وهو يتلو في كل صلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] حيث أفاد تقديم المفعول به الاختصاص، ورسولنا الكريم ﷺ يعلمنا ألّا نقصد لغير الله في كل حاجة مستخدمًا أسلوب الشرط: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ»[6]
وهذا الأسلوب أسلوب تعريف المبتدأ وتعريف الخبر ورد في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] فاسم الإشارة (ذا) مبتدأ، واللام للبعد دلالة على بُعد منزلة القرآن العظيم، والكاف للخطاب، والكتاب خبر، والمعنى: ذلك الكتاب حقًا، ذلك الكتاب الحق، ذلك الكتاب الأكمل، قال صاحبُ الكشّاف: «ومعناه: أنَّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأنَّ ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. وكما قال: هُمُ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ»[7]
وقد استعمل رسولنا ﷺ هذا الأسلوب، ولا عَجَب، فإنَّه أفصح الناطقينَ قاطبةً، فـ«عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: “الدينُ النصيحةُ”»[8]، و«عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ” الْوَسَطُ الْعَدْلُ»[9]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْو؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ»[10]، الصحابيُّ يسأل عن الحَمْوِ وهو للمرأة «أَبو زَوْجها وأَخُو زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِه»[11] «وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ كَمَا تَقُولُ الأَسَدُ الْمَوْتُ أَي لِقَاؤُهُ مِثْلُ الْمَوْتِ… فَالمَعْنَى: أَنَّ خَلْوَةَ الحَمو مَعَهَا أَشد مِنْ خَلْوَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْغُرَبَاءِ… الأَزهري: كأَنه ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفَسَادَ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ المرأَة وأَحمائها أَشد مِنْ فَسَادٍ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغَرِيبِ وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ كَالْمَوْتِ»[12]
ولا يخفى عليك ما في هذا البيان من إيجاز ونُبلٍ وفخامة توقع في النفس عِظم المقصود.
ذكرنا في المقال السابق في إعراب قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: ١] أن الضمير هو ضمير الشأن مبتدأ خبره الجملة الاسمية الله أحدٌ، وهذه الآية ترتبط بها الآية التالية: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فهي خبر ثانٍ لضمير الشأن، قال صاحب التحرير والتنوير في تفسير ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: «جُمْلَةٌ ثَانِيَةٌ محكية بالْقَوْل المحكية بِهِ جُمْلَةُ: اللَّهُ أَحَدٌ، فَهِيَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ الضَّمِيرِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَعَدِّدُ يَجُوزُ عَطْفُهُ وَفَصْلُهُ، وَإِنَّمَا فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَن هَذِه الْجُمْلَة مَسُوقَةٌ لِتَلْقِينِ السَّامِعِينَ فَكَانَتْ جَدِيرَةً بِأَنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ بِذَاتِهَا غَيْرَ مُلْحَقَةٍ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِالْعَطْفِ، عَلَى طَرِيقَةِ إِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: الْحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ الْحَبْسِ، الْحَوْزُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَنَحْوَ قَوْلِكَ: عَنْتَرَةُ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، عَنْتَرَةُ مِنْ أَبْطَالِ الْفُرْسَانِ»[13]
فإذا سألت عن سر تنكير كلمة ﴿أَحَدٌ﴾ ، فقد نسب صاحب مفاتيح الغيب إلى الماوَرْدِيِّ قوله: «أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ التَّنْكِيرُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ»[14] و«قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لَا يُوصَفُ شَيْءٌ بِالْأَحَدِيَّةِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُقَالُ: رَجُلٌ أَحَدٌ وَلَا دِرْهَمٌ أَحَدٌ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ وَاحِدٌ أَيْ فَرْدٌ بِهِ بَلْ أَحَدٌ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتَأْثَرَ بِهَا فَلَا يُشْرِكُهُ فِيهَا شَيْءٌ»[15] وأجاب أبو بكر الرزاي عن سر تنكير ﴿أَحَدٌ﴾ وتعريف ﴿الصَّمَدُ﴾ قائلًا: «وَإِذَا كَانَتِ الْأَحَدِيَّةُ مَجْهُولَةً مُسْتَنْكَرَةً عِنْدَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، وَكَانَتِ الصَّمَدِيَّةُ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْخَلْقِ، لَا جَرَمَ جَاءَ لَفْظُ أَحَدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ وَلَفْظُ الصَّمَدِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْرِيفِ»[16]
خامسًا: إعادة الاسم الظاهر بدلاً من الإضمار: فخامة النظم
فإذا سألتَ: ألا يُقال في هذا الموضع: (قل: هو الله أحد، هو الصمد)؟ لقد تكرَّر لفظ الجلالة في الآية الثانية، فاعلم أنَّ «ما أعملته في الاسم الظاهر أهم عندك مما أعملته في ضميره؛ لأن الاسم الظاهر أقوى من الضمير»[17]
«قال تعالى في السد الذي صنعه ذو القرنين ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، فإنَّ الاهتمام بالإفراغ أكبر من الإيتاء، فإن المقصد من الإيتاء بالقطر هو إفراغه، فأعمل الإفراغ في صريح اللفط لأنه هو المقصود، فجعل (القطر) معمولًا للإفراغ ولو جعله للأول لقال (آتوني أفرغه عليه قطرا)»[18]
ولا أجد بُدًّا من ذكر عبارة عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز في بيان هذا الجانب البلاغي في الآية، فإن عبارة العالم لها مذاقُها الذي لا يصل إليه شرحُ شارح، وهو الذي ولدت في كتابه أنوار البلاغة بكرًا يقول:
«فانظُرْ إلى بيتِ البحتري:
قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ … دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلًا
المعنى: قد طَلَبْنا لك مِثْلًا، ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه، ثم إنَّ للمجيءِ به كذلك مِن الحُسْن والمَزيَّة والرَّوعة ما لا يَخْفَى. ولو أنه قال: “قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مَثَلًا فلم نَجِدْه”، لم تَرَ مِنْ هذا الحُسْن الذي تَراه شيئًا. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عنِ “المثل”، فأَمَّا “الطلبُ”، فكالشيءِ يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قالَ: “قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مِثْلاً فلم نَجدْه”، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجودِ على صريحِ لفظِ “المِثْل”، وأوْقَعَه على ضميرِه. ولن تبلغَ الكنايةُ مبلغَ التصريح أبدًا»[19]
«وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينِه قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرُّمة أنْ يَضعَ اللفظَ على عكسِ ما وضَعه البحتريُّ، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قولُهُ:
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بِشعري … لَئِيمًا، أَنْ يكونَ أصابَ مالًا
أعْمَلَ “لم أمدحْ”، الذي هو الأول، في صريح لفظ “اللئيم”، و “أرْضى”، الذي هو الثاني، في ضميِرهِ. وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحًا، والمجيءَ به مكشوفًا ظاهرًا، هو الواجبُ من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له. ولو أنه قال: “ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيمًا”، لكانَ يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ، وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه.
ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتَّصريح عَمَلًا لا يكونُ مثلُ ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظِ في مِثْلِ قولهِ تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] وقولهِ تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1، 2] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومنَ الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ. وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار فقيل: “وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل”: و “قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ” لعدِمْتَ الذي أنت واجده الآن»[20]
وأذكرك بما بدأنا به هذه الحلقة المباركة إن شاء الله، أن تعيد النظر والتأمل والتدبر في آيِ هذه السورة العظيمة فإنه يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا … إِذا ما زِدْتَه نَظَرًا
سادسًا: التناسب والترابط بين آيات سورة الإخلاص
إنَّ البيان العالي يدل بعضه على بعضٍ، فتأمل آيات السورة تجد كأن كل آية تنطق بالآية التالية لها، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ فالله «مُنْفَرِدٌ بِالْإِلَهِيَّةِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ»[21] والله المنفرد بالألوهية غَنيٌّ عن غيره، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ «وَيَشْمَلُ هَذَا الِاسْمُ صِفَاتِ اللَّهِ الْمَعْنَوِيَّةَ الْإِضَافِيَّةَ وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى حَيًّا، عَالِمًا، مُرِيدًا، قَادِرًا، مُتَكَلِّمًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، لِأَنَّهُ لَوِ انْتَفَى عَنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يَكُنْ مَصْمُودًا إِلَيْهِ»[22] فهو مُستَغْنٍ عمَّن سواه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣-٤]
خاتمة: دعوة للتدبر المستمر
أرأيت هذا الجلال والإعجاز والإيجاز؟ ولا تزال الآية ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ عامرةً بالأسرار والمعاني، كيف لا وهي من كلام رب العالمين الذي عنده «تَنْقطِعُ الأطماعُ، وتُحْسَرُ الظنونُ، وتَسقُطُ القُوى، وتستوى الأقدام في العجز»[23]، وكيف لا، والقرآن الكريم «لَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ»[24]
هذا ما يسر الله لي وأعانني عليه، فإن كان من خطأ لا يخفى على فطانتك وذائقتك اللغوية، فنبِّهْ إليه مشكورًا، وتلك شيمة الكرام، ولا تكن ممن قال فيهم الشاعر:
فإن رأوا زلَّة طاروا بها فرحًا … عني وما وجدوا من صالح دفنوا
فاللهمَّ اغرس في صدورنا حبَّ القرآن العظيم، وأَنِر به قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا، واجعله لهمومنا جلاءً، ولغمِّنا ذهابًا، ربَّنا أنت حسبُنا ونِعمَ الوكيل.
[1] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 296
[2] مقاييس اللغة 3/ 309
[3] لسان العرب 3/ 258-259
[4] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 179
[5] التحرير والتنوير 30/ 618
[6] سنن الترمذي 4/ 667 ت شاكر (رقم الحديث 2516)
[7] الكشاف 1/ 33
[8] مسند أحمد 8/ 73 ت أحمد شاكر (رقم الحديث 7941)
[9] مسند أحمد 17/ 372 ط الرسالة (رقم الحديث 11271)
[10] سنن الترمذي 3/ 466 ت شاكر (رقم الحديث 1171)
[11] لسان العرب 14/ 197
[12] لسان العرب 14/ 198 بتصرف يسير
[13] التحرير والتنوير30/ 617
[14] مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 32/ 360
[15] السابق 32/ 359-360
[16]مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 32/ 363
[17] معاني النحو 2/ 146
[18] السابق، الصفحة نفسها
[19] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 168
[20] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 170
[21] التحرير والتنوير 30/ 615
[22] التحرير والتنوير 30/ 617
[23] دلائل الإعجاز ت شاكر 1/ 35
[24] سنن الترمذي 5/ 173 ت شاكر
